واقتصادية ونزاع وشقاق كان أبرزها نظرا ومناقشة واستصدار أحكام كحكم «مرتكب الكبيرة» [1] .
ولا غرو في أن هذا الموضوع ديني المظهر سياسي المنشأ يعود في أصله إلى حوادث: معركة الجمل وصفين اللتين دارتا في الأحقّ بالخلافة ونجم عن تطور هذا الأمر خلاف دار حول الطرف المذنب، فوقع التباين في إطلاق الأحكام ما بين الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة.
إن الخوارج أول من أثار هذه المشكلة في الفكر الإسلاميّ لا سيما بعد معركة صفين بين علي ومعاوية عند التحكيم. أكفروا الإمام عليا والحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقالوا مجمعين «إن كل كبيرة كفر» [2] ، بينما أخّر المرجئة الخالصة [3] حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة. وهم يرون أن الإيمان هو التصديق بالقلب في ثقة واطمئنان، وأن الأعمال شيء آخر: هو فعل الجوارح، وأن التصديق لا يزيله إتيان الكبيرة، فالمصدق العاصي مؤمن عاص لا يجرّده عصيانه من إيمانه عندهم وسيتولى الله حسابه، ويعدّون الخلود في النار خاصا بالكفار. أما المؤمن فإن الله يعفو عنه أو يعاقبه ويكون مصيره في النهاية الجنة [4] .
(1) كانت هذه الفكرة تعني معيار الكفر والإيمان بالنسبة إلى الخلفاء ثم امتدت لتصبح معيارا للكفر والإيمان للناس جميعا، فارتسمت من هذا المنطلق المبادئ التي أجمعوا عليها في إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل والراضين بالتحكيم ووجوب الخروج على الحاكم الجائر والإكفار بارتكاب الكبائر.
انظر، الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 133.
(2) الأشعري، مقالات الإسلامين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ص، 167وكذا، د.
سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 144.
(3) هم أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، والقدرية، والجبرية، والمرجئة الخالصة.
أخذ لفظ المرجئة من معنيين: الأول للتأخير بمعنى «أرجأ» أي أخّر. والثاني للإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء.
أرجأت فلانا أي أعطيته الرجاء. ويجوز أن يؤخذ اسم (المرجئة) من المعنى الأول لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية وعقد القلب أو من الثاني لأنهم رأوا بأنه لا يضر مع الإيمان معصيته كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة ليوم القيامة لا يحكم عليه في الدنيا بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار. انظر البغدادي (ت 429هـ) ، الفرق بين الفرق، ص 25، 202وكذا الشهرستاني (ت 548هـ) الملل والنحل، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاغور، ج 1، ص 161وما بعدها.
(4) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 229، 230وكذا، د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، ط 2، (د. ت) ، ص 142.