فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 451

إليه غيلان الدمشقي [1] (ت 105هـ) وردّ على مقاتل بن سليمان الذي أثبت الصفات حيث جعله هذا الإثبات في زمرة «المشبّهة» فقال جهم مقابل الاختيار والتشبيه على الترتيب بالجبر ونفي الصفات، وهذا يجعل رأيه غير عقلي لقوله بالجبر، وغير نصّي لقوله: بالتعطيل أو نفي الصفات الإلهية [2] . وهو اعتقاد لقى جفاء النصيّين والعقليين على السواء من أمة الإسلام.

ولما ظهرت المعتزلة أخذت بأقوال الجهمية في الرؤية والصفات وخلق القرآن فسماهم أهل السنة «الجهمية» [3] غير أن المعتزلة أفصحوا عن تبرّئهم من هذا الاسم لجبرية جهم بن صفوان وأتباعه. وما يدل على هذا التنصّل والتنكر قول الخياط المعتزلي (ت 300هـ) في رده على ابن الراوندي: «وما إضافة صاحب الكتاب لجهم إلى المعتزلة إلا كإضافة العامة لجهم إلى المعتزلة لقوله بخلق القرآن ولجهم عند المعتزلة في سوء الحال والخروج من الإسلام كهشام بن الحكم» [4] .

ونريد أن نتساءل هنا ونحن في سياق الجبر والاختيار: هل كان ما ذهب إليه جهم في «الجبر» يتناغم في المدلول مع الذي دعا إليه بنو أمية بقصد تبرير سمات حكمهم وتكريس وجود دولتهم؟ وهل يصحّ القول: إن خلفية «الجبر اضطرّته خلفية الانتقاص السائدة يومئذ عند الناس من السيطرة الإلهية المطلقة في الذي رأوه غلوّا ومبالغة لدى القائلين بالاختيار، فحملهم ذلك إلى الدعوة بالجبر والمناداة به؟

نعتقد أن الموقفين يعكسان ظاهرتين فكريتين طبيعيّين تظهران المناخ الإسلامي الأصيل.

(1) هو أبو مروان غيلان بن مسلم الدمشقي، تنسب إليه فرقة «الغيلانية» أخذ القول في القدر عن معبد الجهني (ت 80هـ) وقيل بعدها. وقيل: إنه تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن العزيز ثم عاود القول به بعده، وطلبه هشام بن عبد الملك لمناظرة الأوزاعي، فأفتى الأوزاعي بقتله فصلب. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 19هامش 1. والشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 40هامش رقم 3.

(2) انظر: د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي، ص 150.

(3) يطلق بعض الدارسين «الجهمية» على الذين ظهروا قبل المعتزلة لكن الباحثين التالين لهم يطلقون هذا التلقيب ويقصدون به «المعتزلة» ، انظر زهدي جار الله، المعتزلة، ص 6. ود. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة، ص 190. وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 16.

(4) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، ص 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت