واختلف علماء الكلام في أول واجب على المكلف. قال الإيجي بأنه: «معرفة الله تعالى إذ هو أصل المعارف الدينية، وعليه يتفرع وجوب كل واجب. وقيل:
هو النظر فيها لأنه واجب وهو قبلها. وقيل: أول فرض من النظر. وقال القاضي واختاره ابن فورك: القصد إلى النظر» [1] .
فبالنظر تحصل معرفة الله عز وجل، فالنظر واجب وهو قبل المعرفة، ويذهب إلى هذا المعتزلة. أما القول: «أول جزء من النظر» فلأنّ وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه، وهذا معناه أن أول جزء من النظر واجب وهو متقدم على النظر المتقدم بدوره على المعرفة. غير أن القصد يسبق أول أجزاء النظر. وبهذا فأول جزء من النظر إنما هو القصد إلى النظر [2] .
وقيل: هو الشك لأن وجوب النظر والمعرفة والقصد إليها مقيدة بالشك [3]
الذي يسبق على إرادة النظر. ثم ذكر الإيجي أن النزاع حول أول الواجبات النظر أو المعرفة لفظي، لأن أول الواجبات المقصودة بالذات إنما هي المعرفة. أما إذا أريد أول الواجبات مطلقا فإنه القصد إلى النظر لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقا [4] .
وقد دافع أبو حنيفة (ت 125هـ) قبل الإيجي على النظر ورآه ضروريا ثم ما لبث أن تراجع عن علم الكلام، وعدل عنه إلى الفقه بل ذكر بعض الدارسين بأنه لا يعارض الجدل في نطاق الحاجة وقدر الضرورة في إطاره وأما غيره فمردود منه [5] ، فهو يوجب النظر [6] والاستدلال في معرفة الله سبحانه وصفاته باعتبارها
(1) المواقف في علم الكلام، ص 32.
(2) م ن، ص 32.
(3) المراد بالشك القلق والحيرة وهو الشك الإرادي المنهجي الداعي إلى الشروع في البحث للتحقيق من جبلة الأمر أو طبيعة وإزالة الشك في أمور العقيدة. انظر د. حسن محمود عبد اللطيف، من قضايا المنهج في علم الكلام، بحث منشور في مجلة دراسات عربية عدد رقم 1، ص، 26والشك مدعاة لليقين عند القاضي عبد الجبار في الإنسانيات والطبيعيات والأخلاقيات لأن العقل بفطرته قادر على التمييز بين الغث والسمين. وانظر (المغني ج 12، ص 319) (وجولد زيهر: مقال: موقف أهل السنة القدماء من علم الأوائل ص 132 (عن مجلة القاهرة الأعداد(173، 174، 175) ، 1997م، ص 53.
(4) المواقف في علم الكلام، ص 32.
(5) انظر د. علي الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية. مدخل ودراسة، ص 336، 337.
(6) يقصد أبو حنيفة النظر والاستدلال الواجبين على كل واحد بحسب ما يتيسّر له. فالنظر في الكون وما