كان الإحساس التاريخى بأحوال الوطن والممالك والملوك ضعيفا عند أهل اليمن، فلم تتناول أكثر نقوشهم غير الأمور التشريعية والدينية [1] . ولكن هذا الإحساس لا يمكن إنكاره على عرب الشمال في الحجاز ونجد. فقد كان هؤلاء العرب شديدى العناية بأنسابهم، كثيرى الاعتزاز والفخر بآثار أسلافهم، وأيام أجدادهم. فعرب الشمال هؤلاء، وإن لم يعرفوا تقويم التاريخ بمعناه الرفيع، قد احتفظوا بذكريات الماضى وأحداثه، كما احتفظ بها الإسرائيليون القدماء، ووفروا لهذه الذكريات والأحداث مادة الحياة والبقاء عدة أجيال على الأقل.
بيد أن خيال الرواة والقصاص من قدماء العرب لم يكن يتقيد بقوانين التاريخ الصحيح، بل كان يتحدث عن مآثر الأسلاف وآثارهم بمثل الحرية والاختيار الذى يتناول به العامة أساطيرهم، فلم يكن متقيدا إلا بقوانين الفن الشعبى، بغض النظر عن التزام الدقة والأمانة التاريخيتين [2] .
وفى الوقت الذى بدأ فيه العرب أنفسهم يدخلون في نطاق التاريخ، وينشئون دولتهم الخاصة، أمكن أن يحيا عندهم الاهتمام بالتاريخ الصحيح.
وهكذا نجد الجاحظ يقول: «علم النسب والخبر علم الملوك» [3]
ولقد بدأ العلماء العرب منذ أوائل الدولة العباسية يصنّفون كثيرا من الكتب في أحداث ووقائع متفرقة، كالغزوات، وحرب الردة، والفتوح، والفتن، وحروب العرب، ونشأ من ذلك كله مذهب التحليل والتعليل وإرجاع الأمور
(1) انظر:،، 7291، 63. 4.
(2) انظر:.،،،، 991.
(3) انظر المزهر للسيوطى (الأزهرية) 1: 357.