حتى عفا الخليفة عنه، وإن لم يجز له أن يغادر الرقة، وهنا قرأ الشافعى مصنفات محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبى حنيفة، وأحس في نفسه أنه أعلم منه وأفقه، ولكنه لم يجرؤ على مخالفة ذلك العالم البعيد الشهرة علانية. ومن ثم عول على الرحيل إلى مصر، فدخلها ولقى قبولا حسنا من واليها الذى أكرمه ولاطفه لأنه تلميذ لمالك بن أنس، إلى أن أظهر بعض ما خالف فيه مالكا، فلما أتم هنا بناء مذهبه وإحكامه رجع إلى العراق سنة 195هـ / 810م. ولما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة بعد حلقة ويقول لهم قال الله وقال رسول الله، وهم يقولون قال أصحابنا، حتى ما بقى في المسجد حلقة غيره.
ولما قدم إلى مصر عبد الله بن العباس بن موسى [1] ، وكان أبوه والى مصر.
صحبه الشافعى فرجع إلى مصر يوم 28من شوال سنة 198هـ / 21من يونية 814م، ولكن ولى نعمته هذا لم يطل مقامه في مصر إلا بضعة أشهر، فرحل الشافعى أيضا إلى مكة، ثم رجع مرة أخرى إلى مصر في أواخر سنة 199، أو أوائل سنة 200هـ. وهنا توفى الشافعى في مدينة الفسطاط يوم الجمعة سلخ رجب سنة 204هـ / 20من يناير 820م، ودفن في مقبرة بنى عبد الحكم بسفح المقطم.
وقد أسس السلطان صلاح الدين الأيوبى مدرسة على قبر الشافعى، وبنى الملك الكامل الأيوبى أيضا قبة على هذا القبر لا تزال قائمة إلى أيامنا.
ومذهب الشافعى ينحو إلى الجمع والتوفيق بين مذهب أهل الحديث الذى سار عليه مالك ومذهب أهل الرأى الذى أخذ به أبو حنيفة. ويعدّ الشافعى مؤسس علم أصول الفقه، الذى يرسم المناهج وينظمها لاستخراج الأحكام من أدلتها، ويحرر طرق الاجتهاد والاستنباط.
وأدخل أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقى مذهب الشافعى إلى الشام، بعد أن كان مذهب الأوزاعى سائدا به من قبل كما أدخله محمد بن إسماعيل القفال
(1) انظر كتاب القضاة بمصر للكندى (طبع) 154خلافا لياقوت في الإرشاد 6: 394.