القرآن، وأن القرآن من أساطير الأولين طلب محمد كتابتها أو استنساخها، فكانت تملى عليه أول النهار وآخره = انظر كيف أخذ ويلش قول الخصوم، وهم كفار قريش، على أنه تقرير من الله الذى أنزل القرآن، تقرير صريح واعتراف واضح منه تعالى بأن محمدا قد استعان بالبشر في كتابة القرآن ولسنا ندرى متى كان ذلك، ولا من هو يا ترى الذى فعل ذلك؟
تجاهل الكاتب متعمدا أو غير متعمد، قول الله تعالى في أول السورة: {تَبََارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقََانَ عَلى ََ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيرًا} (1) ، و = الفرقان = من أسماء = القرآن =، و = نزّل = بمعنى = أنزل منجما، وعلى التراخى = و = العبد = هو = محمد صلى الله عليه وسلم =، نبى الله الذى حقق صفة العبودية الكاملة لله تعالى، فاستحق أن يكون كاملا معصوما، يوحى إليه هذا القرآن الكامل في إعجازه. كذلك تجاهل ويلش قول الله بعده: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (6) (الفرقان: 6) ، حيث أثبت أنه تعالى هو منزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لا غيره، وقد جهل الكاتب أيضا أن الكفار وصفوا القرآن بالتنزيل كذلك في السورة نفسها: {وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلََا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَرَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلًا} (32) (الفرقان: 32) ، فهذا اعتراض ضمنى منهم بأن القرآن منزل وأنهم سألوا فقط على سبيل التعنيت، لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية، كما كانوا يسمعون من أهل الكتاب فردّ الله عليهم بأنه أنزله مفرقا، في ثلاث وعشرين سنة، بحسب الوقائع، والحوادث، ومتطلبات الدعوة، والدولة الإسلامية وليثبت به قلب النبى صلى الله عليه وسلم، وقلوب المؤمنين وليثبت به أركان الدولة، ويحدد به معالم الأمة الإسلامية. وقد جمع الله تعالى للقرآن الصفتين معا. ففي الملأ الأعلى أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ، إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزله بعد ذلك إلى الأرض منجما [1] فتم بذلك للقرآن شرف النزول جملة واحدة ثم النزول مفرقا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يقل عن ذلك أهمية أن نذكر أن حياة
(1) ابن كثير (2/ 632) .