اليهود، وكذلك النصارى كانت قلقة مضطربة، وكانوا مطاردين، ولم يتأت لهم استقرار، ولم تنشأ لهم دولة بل لقد كانوا يعيشون مستعمرين محاصرين، فلم يكن من المناسب أن تنزل عليهم الكتب منجمة، بخلاف القرآن، وبخلاف الأمة الإسلامية التى تم لها الاستقرار ونشأت لها دولة.
ونعود إلى ما زعمه ويلش فنتساءل كذلك كيف كان يكتب محمد ما يملى عليه، والتاريخ والقرآن والسنة كلها تسجل أنه كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم تكن هناك في مكة مدرسة، ولا جامعة، ولا حلقة، ولا إرسالية يتعلم فيها محمد ولو وجد شىء من ذلك في مكة لزاحمه عليه أولاد الأغنياء والوجهاء من أهل مكة، الذين كانوا يسيطرون على كل شىء فيها فقد صحت لهم المنافسة في قرض الشعر، والتّباري في ارتجال الخطب، وعلى الزعامة، والرئاسة، وغير ذلك مما كان يعنيهم ويشغل بالهم ثم إنه إذا كان هناك في مكة من يعلّم الناس تعليما خاصا يؤجر عليه، لعزّ ذلك على محمد ليتمه وفقره. ألم ترفضه مرضعات البوادى لهذا السبب؟ وهل كان في إمكان محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقلّ وحده بالمعلمين والمدرسين والقصاصين وأهل السير، دون أثرياء مكة، ووجهاء قريش؟
كلا والله ما هذا برأي وهل كانت هذه الأساطير، التى يدّعون عليه أنه اكتتبها، في متناول يده وحده دون سائر الناس؟ وهل كانت تلك الأساطير مكتوبة أو محفوظة يرددها الناس كما كانوا يرددون التراث الشعبى مثلا؟ وهل عدمت يا ترى تلك الأساطير المزعومة من يهتم بنقلها وانتحالها والتباهى بها في القوم؟ ولماذا لعمرو الحق، لم تكن هذه الأساطير تلقى رواجا بين العرب وتروى كالشعر والخطب في سوق عكاظ؟!! ولماذا لم يدوّنها العرب كما دونوا المعلقات؟ لقد تناقض الكفار الذين زوّروا تلك التهمة ضد محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لمحمد في قولهم، وفى أوصافهم للقرآن ولمحمد صلى الله عليه وسلم فهم تارة يصفونه بالكذاب وهو أمينهم وأصدقهم وتارة يتهمونه بالجنون وهو أكثرهم عقلا، وبالسحر وهو أبعدهم عنه، وبالشاعرية، والكهانة وأحيانا أخرى يتعنتون معه يطلبون منه المستحيل، ولا يقبلون منه الممكن وإنّ من عرف حالهم وخبر دعاواهم، أيقن أنهم لم يكونوا يبحثون عن الحق المجرد، ولا يطلبون الصواب وإنما قصدوا بفعلهم هذا إلى التعنت وعمدوا إلى التشهير هذا مع أن للعرب أوصافا أطلقوها على القرآن تعتبر دررا في ديوان
خطبهم وأقوالهم ثم إن بلغاءهم، بخلاف المستشرقين، قد اعتنقوا الإسلام فيما بعد، وآمنوا بالقرآن، وخضعوا لبلاغته، وتباروا في محاكات أسلوبه وصياغته حتى أشربته قلوبهم، وتدارسته عقولهم، واتسمت به حياتهم، وانبعثت منه علومهم ومعارفهم وقيمهم وحضارتهم.