فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 386

كلا والله ما هذا برأي وهل كانت هذه الأساطير، التى يدّعون عليه أنه اكتتبها، في متناول يده وحده دون سائر الناس؟ وهل كانت تلك الأساطير مكتوبة أو محفوظة يرددها الناس كما كانوا يرددون التراث الشعبى مثلا؟ وهل عدمت يا ترى تلك الأساطير المزعومة من يهتم بنقلها وانتحالها والتباهى بها في القوم؟ ولماذا لعمرو الحق، لم تكن هذه الأساطير تلقى رواجا بين العرب وتروى كالشعر والخطب في سوق عكاظ؟!! ولماذا لم يدوّنها العرب كما دونوا المعلقات؟ لقد تناقض الكفار الذين زوّروا تلك التهمة ضد محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لمحمد في قولهم، وفى أوصافهم للقرآن ولمحمد صلى الله عليه وسلم فهم تارة يصفونه بالكذاب وهو أمينهم وأصدقهم وتارة يتهمونه بالجنون وهو أكثرهم عقلا، وبالسحر وهو أبعدهم عنه، وبالشاعرية، والكهانة وأحيانا أخرى يتعنتون معه يطلبون منه المستحيل، ولا يقبلون منه الممكن وإنّ من عرف حالهم وخبر دعاواهم، أيقن أنهم لم يكونوا يبحثون عن الحق المجرد، ولا يطلبون الصواب وإنما قصدوا بفعلهم هذا إلى التعنت وعمدوا إلى التشهير هذا مع أن للعرب أوصافا أطلقوها على القرآن تعتبر دررا في ديوان

خطبهم وأقوالهم ثم إن بلغاءهم، بخلاف المستشرقين، قد اعتنقوا الإسلام فيما بعد، وآمنوا بالقرآن، وخضعوا لبلاغته، وتباروا في محاكات أسلوبه وصياغته حتى أشربته قلوبهم، وتدارسته عقولهم، واتسمت به حياتهم، وانبعثت منه علومهم ومعارفهم وقيمهم وحضارتهم.

يعرض الكاتب بعد ذلك لقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسََانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (103) (النحل: 103) .

تعليق الكاتب على هذه الآية هو كتعليقه على الآية السابقة في البطلان إذ أنه يزعم أن القرآن لم ينكر هذا الاتهام بل إنه يضيف إلى ذلك أن القرآن يصر فقط على أن ألفاظه (أى القرآن) وعباراته لم تأت من معلم بشر، بمعنى أن المعانى كانت قد ألقيت، أو اقترحت لمحمد وهو الذى صاغها وصبها في قوالبها اللغوية. وكما هو واضح، يعتمد الكاتب في تفسيره هذا الغريب، على كلمة = لسان = التى هى بمعنى اللغة. هذا مع أن القرآن ينفى نفيا قطعيا، إمكان التفاهم بين محمد العربى الذى لا يعرف غير لغة العرب، وبين الشخص الذى يدّعون أنه كان يعلمه، وذلك لاختلاف اللغتين، وليت شعرى كيف يستطيع الأعجمى، المغموز به، أن يصل إلى هذه الأفكار والمعانى الجمة والتامة والمتضاعفة في الحسن والرواء، والتى تصل إلى درجة الشمول والإحاطة بكل أنواع العلوم، وكيف لمثل هذا الرجل الأعجمى الغمر أن يظل مغمورا ويعيش مدحورا ومطحونا، ولديه كل هذه العلوم المعجزة والمعارف المتنوعة؟ وكيف يجوز أن يجود شخص، بكل هذه الأفكار والمعانى والأبنية، لشخص لا يعرفه ولا ينتفع به؟

إننا لكى نحصل على علم كعلم القرآن أو قريب منه، نحتاج إلى عقول علماء أهل الدنيا معا إنسهم وجنهم، وليس إلى شخص واحد أعجمى اللسان، غلف البيان، لم يسجل له التاريخ أى شأن، ولا نعرف متى ولد، ولا كيف عاش، ولا متى مات بل إننا لا نعرف له اسما على وجه التحقيق ولا مهنة على وجه التدقيق فقد قال البعض إن اسمه = يعيش =، وآخرون قالوا بل هو = جير =، وفريق ثالث قال إن اسمه كان = بلعام = وقال البعض إنه كان حدادا أو بياعا وهكذا دواليك ثم إن الآية واضحة في ردّ دعوى المشركين قديما، والمستشرقين حديثا، في أنه لم تكن هناك لغة مشتركة يتفاهم من خلالها

محمد مع هذا الحداد المغمور قال الذين ادّعوا أن محمدا كان يزوره نعم قد يكون صحيحا وأن النبى صلى الله عليه وسلم زار شخصا ذا مهنة، وهذا من ضرورات العيش وقضاء المصالح بين الناس ولكن هل قابل محمد هذا الرجل وحده دون سائر أصحاب المهن الأخرى، ودون المحاويج، والضعاف الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يجبر خواطرهم، ويمسح آثار الذل عنهم؟ وهل هناك أدلة على علم هذا الرجل وثقافته، حتى ننسج حوله هذه الأسطورة العجيبة؟ يقول الإمام أبو سعيد الدارميّ (280هـ) فى كتابه = الرد على الجهمية =: (فنشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه، وانتجبه لرسالته، واختاره من خلقه لخلقه، فأنزل عليه كلامه المبين وكتابه العزيز الذى: {لََا يَأْتِيهِ الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) (فصلت: 42) ، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} (الزمر: 28) ، {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9) ، فيه نبأ الأولين، وخبر الآخرين، لا تنقضى عبره، ولا تفنى عجائبه، غير مخلوق، ولا منسوب إلى مخلوق {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى ََ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء: 194193) {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}

(النمل: 16) من قال به صدق، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت