فهرس الكتاب
إننا لكى نحصل على علم كعلم القرآن أو قريب منه، نحتاج إلى عقول علماء أهل الدنيا معا إنسهم وجنهم، وليس إلى شخص واحد أعجمى اللسان، غلف البيان، لم يسجل له التاريخ أى شأن، ولا نعرف متى ولد، ولا كيف عاش، ولا متى مات بل إننا لا نعرف له اسما على وجه التحقيق ولا مهنة على وجه التدقيق فقد قال البعض إن اسمه = يعيش =، وآخرون قالوا بل هو = جير =، وفريق ثالث قال إن اسمه كان = بلعام = وقال البعض إنه كان حدادا أو بياعا وهكذا دواليك ثم إن الآية واضحة في ردّ دعوى المشركين قديما، والمستشرقين حديثا، في أنه لم تكن هناك لغة مشتركة يتفاهم من خلالها
محمد مع هذا الحداد المغمور قال الذين ادّعوا أن محمدا كان يزوره نعم قد يكون صحيحا وأن النبى صلى الله عليه وسلم زار شخصا ذا مهنة، وهذا من ضرورات العيش وقضاء المصالح بين الناس ولكن هل قابل محمد هذا الرجل وحده دون سائر أصحاب المهن الأخرى، ودون المحاويج، والضعاف الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يجبر خواطرهم، ويمسح آثار الذل عنهم؟ وهل هناك أدلة على علم هذا الرجل وثقافته، حتى ننسج حوله هذه الأسطورة العجيبة؟ يقول الإمام أبو سعيد الدارميّ (280هـ) فى كتابه = الرد على الجهمية =: (فنشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه، وانتجبه لرسالته، واختاره من خلقه لخلقه، فأنزل عليه كلامه المبين وكتابه العزيز الذى: {لََا يَأْتِيهِ الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) (فصلت: 42) ، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} (الزمر: 28) ، {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9) ، فيه نبأ الأولين، وخبر الآخرين، لا تنقضى عبره، ولا تفنى عجائبه، غير مخلوق، ولا منسوب إلى مخلوق {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى ََ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء: 194193) {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}
(النمل: 16) من قال به صدق، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{وَقُرْآنًا فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النََّاسِ عَلى ََ مُكْثٍ وَنَزَّلْنََاهُ تَنْزِيلًا} (106) (الإسراء: 106) ، فقرأه كما أمر، ودعا إليه سرا وجهرا فلما سمع المشركون آيات مبينات قالوا ساحر وكاهن وشاعر ومعلم مجنون {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى ََ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هََذََا لَشَيْءٌ يُرََادُ (6) مََا سَمِعْنََا بِهََذََا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هََذََا إِلَّا اخْتِلََاقٌ} (7) (ص: 76) ، وقالوا: {إِنْ هََذََا إِلََّا قَوْلُ الْبَشَرِ} (25) (المدثر: 25) ، وقالوا: {لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلََّا أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (الأنفال: 31) وقالوا: {إِنْ هَذََا إِلََّا إِفْكٌ افْتَرََاهُ وَأَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} (الفرقان: 4) ، وقالوا كذلك: {أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (5) (الفرقان: 5) ، {إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} (النحل: 103) مخلوق بكلام مختلق. فكذّب الله عزّ وجلّ قولهم، وأبطل الله دعواهم، فقال تعالى: {فَقَدْ جََاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا}
(الفرقان: 4) ، وقال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ
غَفُورًا رَحِيمًا (6) (الفرقان: 6) ، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى ََ لِلْمُسْلِمِينَ} (102) (النحل: 102) ، وقال: {لِسََانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (103) (النحل: 103) ثم بالغ في الدعوى فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لََا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88) (الإسراء: 88) . ثم ندبهم جميعا إلى أن يأتوا بمثله تخريصا وتعلما (1) من الخطباء والشعراء وغيرهم، إن كانوا صادقين، فقال تبارك وتعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيََاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ}
(هود: 13) ، وائتوا بسورة مثله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النََّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النََّاسُ وَالْحِجََارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ} (24) (البقرة: 2423) ، فلم يقدر الجن والإنس، عربها وعجمها من عبدة الأوثان، وعلماء أهل الكتابين، أن يأتوا بسورة ولا ببعض سورة ولو علموا أنهم قادرون عليها لدعوا شهداءهم إلى ذلك، وبذلوا فيها الرغائب والأموال وغيرها لخطبائهم وشعرائهم وأحبارهم وأساقفتهم وكهنتهم وسحرتهم، أن يأتوا بسورة مثلها تصديقا لما ادعوا من الزور تكذيبا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن يأتى المخلوق بمثل كلام الخالق، وكيف يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: = ولن تفعلوا = فلن تفعلوا إلى يوم القيامة؟ فكما أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11) ، فليس ككلامه كلام = (2) .