فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 386

إن كتب اليهود والنصارى وما هو موجود من كتب الأديان الأخرى لم تحدث من التأثير ما أحدثه القرآن ولم ولن تجذب إلى نفسها من الخلق ما جذبه القرآن إلى لغته من شتى أجناس الأرض. إن قيم القرآن الأدبية والجمالية، والعلمية فائقة الحسن والتأثير، وتأثير القرآن على النفس البشرية باق وتام أبدا.

يستمر المستشرق ويلش في عرض موضوعه، فيقول: = إن هناك آيات مدنية متعددة تعطى الانطباع بأن محمدا كان يحاول بهمة ودأب أن يحصل على معلومات من كتب اليهود المقدسة، مستشهدا على ذلك بما جاء في آية: {يََا أَهْلَ الْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمََّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتََابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} (المائدة: 15) ، فهم ويلش من الفعل = تخفون = أن اليهود كانوا لم يمكّنوا محمدا من كتبهم ولقد فاته أن يفهم أن الآية لا تلوم اليهود، لأنهم أخفوا كتابهم عن محمد، ومنعوه أن ينقل منه بل إن الآية تتحدث على طريقة الخطاب القرآنى وتبين أن اليهود بدّلوا وحرّفوا كتبهم، وأخفوا منها وأظهروا، وأوّلوا نصوصها على وفق أهوائهم ونوازعهم الطائفية والعنصرية والآية تشير تحديدا إلى إخفائهم لآية الرجم، بالتحديد، كما جاء في الحديث الذى أخرجه ابن جرير وغيره وفى الآية أن محمدا صلى الله عليه وسلم بين لهم في القرآن أشياء كثيرة مما كانوا يتعمدون إخفاءها ولم يرد أن محمدا سأل اليهود أن يطلعوه على كتبهم البتة كيف وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب؟ أضف إلى ذلك أن كتابهم كان بالعبرية، ولم يترجم منها شيء بعد إلى العربية كما هو معلوم لعلماء الأديان وكيف يقرأ محمد كتب النصارى ليفيد منها في كتابة القرآن، وهو الذى أنكر أصول النصرانية، كالتثليث، والصلب، وعقيدة الفداء والكفارة؟، وكيف يقرأ محمد كتب اليهود وهو يحاجّهم ويكشف أمرهم تارة بالوحى، وأخرى بسنته واجتهاده صلى الله عليه وسلم. إن الله هو الذى طلب من اليهود على لسان محمد أن يأتوا بالتوراة إذا أمكنهم، وهذا من باب الإلزام والإفحام للخصم، حتى يكذّب الله دعواهم في مسألة مخصوصة، تنازعوا فيها، وهى تحريم إسرائيل، وهو نبى الله يعقوب عليه السلام، أكل العرق، على نفسه، أو أكل ولد ما له عرق، وذلك لنذر كان نذره، إن شفاه الله من عرق النسا، الذى كان يزعجه ويقلقه ويؤرقه فلا ينام فحرم اليهود ذلك على أنفسهم اتباعا له، لا لنص ملزم في التوراة؟، والآية التى عليها مدار الحديث هى: كُلُّ الطَّعََامِ كََانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلََّا مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى ََ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرََاةُ قُلْ فَأْتُوا

بِالتَّوْرََاةِ فَاتْلُوهََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (آل عمران: 93) . أما عن قوله تعالى: {وَمََا قَدَرُوا اللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قََالُوا مََا أَنْزَلَ اللََّهُ عَلى ََ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتََابَ الَّذِي جََاءَ بِهِ مُوسى ََ نُورًا وَهُدىً لِلنََّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرََاطِيسَ تُبْدُونَهََا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مََا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلََا آبََاؤُكُمْ قُلِ اللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ََ وَمَنْ حَوْلَهََا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى ََ صَلََاتِهِمْ يُحََافِظُونَ} (92) (الأنعام: 9291) ، فمعنى الكلام في هذا الموضع من القرآن أنهم استنكروا أن الله أنزل وحيا، والمستنكرون هم اليهود فأخبر الله تعالى أن هذا يتنافى مع صفته، وعظمته وأخبرهم في صورة سؤال أن الذى أنزل على موسى الكتاب هو نفسه الذى أنزل على محمد القرآن وأنّكم إذا نفيتم نسبة القرآن إلى الله، وجب ضرورة أن تنفوا نسبة التوراة إليه تعالى وهذا إلزام قرآنى لهم. وأخبر القرآن كذلك أنهم يقطّعون التوراة قراطيس، أى أجزاء، وسجلات ينسخونها من الكتاب الذى كان بأيديهم، ويحرّفون المنقول ليوافق هواهم، وأحيانا يبقون الكلام، ويحرفون المعانى حسب ما يرون، ثم يدّعون بعد ذلك أن هذا من عند الله (1) والكلام هنا عن فعل اليهود مع نبى الله موسى، ومع التوراة التى جاء بها، وليس مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا مع القرآن كما أنه لا يفهم من كلمة = تبدونها =، التى تعلق بها الكاتب وضرب الهواء بجناحيه، أنهم أبدوا التوراة لمحمد ينقل منها ما شاء بل إنهم كانوا يبدونها لأتباعهم هم أو للعامة منهم ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت