ويرى الكاتب أن الآيات (1: 20) من سورة النجم، والتى قبل إن فقرة الغرانيق تخللتها، والآيات الأخيرة من هذه السورة، لا تمثل وحدة واحدة كما تصور القصة، ثم إن آية السجدة التى يقال إنه صلى الله عليه وسلم سجد عندها، وسجد معه المسلمون والمشركون، متباعدة في الذكر ولا تبعد أن تكون نزلت في المدينة وليس في مكة.
وفى هذه القرينة نشير إلى المستشرق = كيتى = حيث يرفض حكاية الغرانيق لضعف إسنادها. أما برتون، فيرى أنها من تلفيقات الفقهاء، كما أشرنا إليه من قبل ولكى يتضح خطأ المستشرقين بجلاء نذكر ما أورده المفسرون في سبب نزول الآية قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم، وكان في رمضان في السنة الخامسة لنزول الوحى، لما رأى إعراض قومه عنه، وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش، كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شىء ينفرهم منه، وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة النجم، حتى بلغ قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللََّاتَ وَالْعُزََّى (19) وَمَنََاةَ الثََّالِثَةَ الْأُخْرى ََ} (20) ألقى الشيطان على لسانه = تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى = فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته، فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة، وأبى أحيحة سعيد بن العاص إذ أخذ كل منهما حفنة من التراب من البطحاء، ورفعاها إلى جبهتيهما، وسجدا عليها، وذلك لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال له: =ماذا صنعت، تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم أقل =، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا عظيما، حتى نزل قوله: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ إِلََّا إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى الشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللََّهُ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللََّهُ آيََاتِهِ وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (52) (الحج: 52) .
بعد أن ساق ابن كثير هذه الرواية علق عليها بقوله: = هذه رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا على ذلك بالقرآن والسنة وبالمعقول أما من القرآن فقول الله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ الْأَقََاوِيلِ (44) لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ} (47) (الحاقة: 44: 47) . وبقوله تعالى: {قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي}
(يونس: 15) ، وقوله: {وَمََا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ََ} (3) (النجم: 3) ، ومضمون هذه الآيات كلها، ينافى ما حمّله بعض المفسرين المتعجلين على سورة النجم بسبب دعوى الغرانيق. ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم قد قرأ عقيب آية سورة النجم، هذه الكلمات المفتراة = تلك الغرانيق = لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال (1) تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.