فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 386

وفى هذه القرينة نشير إلى المستشرق = كيتى = حيث يرفض حكاية الغرانيق لضعف إسنادها. أما برتون، فيرى أنها من تلفيقات الفقهاء، كما أشرنا إليه من قبل ولكى يتضح خطأ المستشرقين بجلاء نذكر ما أورده المفسرون في سبب نزول الآية قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم، وكان في رمضان في السنة الخامسة لنزول الوحى، لما رأى إعراض قومه عنه، وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش، كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شىء ينفرهم منه، وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة النجم، حتى بلغ قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللََّاتَ وَالْعُزََّى (19) وَمَنََاةَ الثََّالِثَةَ الْأُخْرى ََ} (20) ألقى الشيطان على لسانه = تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى = فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته، فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة، وأبى أحيحة سعيد بن العاص إذ أخذ كل منهما حفنة من التراب من البطحاء، ورفعاها إلى جبهتيهما، وسجدا عليها، وذلك لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال له: =ماذا صنعت، تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم أقل =، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا عظيما، حتى نزل قوله: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ إِلََّا إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى الشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللََّهُ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللََّهُ آيََاتِهِ وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (52) (الحج: 52) .

بعد أن ساق ابن كثير هذه الرواية علق عليها بقوله: = هذه رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا على ذلك بالقرآن والسنة وبالمعقول أما من القرآن فقول الله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ الْأَقََاوِيلِ (44) لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ} (47) (الحاقة: 44: 47) . وبقوله تعالى: {قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي}

(يونس: 15) ، وقوله: {وَمََا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ََ} (3) (النجم: 3) ، ومضمون هذه الآيات كلها، ينافى ما حمّله بعض المفسرين المتعجلين على سورة النجم بسبب دعوى الغرانيق. ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم قد قرأ عقيب آية سورة النجم، هذه الكلمات المفتراة = تلك الغرانيق = لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال [1] تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

هذه القصة نقلها المؤرخون وكتّاب السيرة، واشتملت عليها كتب التفاسير، وتلقفها المستشرقون فيما بعد وكأنها = الدنميت = الذى سيفجرون به القرآن وللأسف نجد من المسلمين من يجزم بصحتها غافلا عمّا فيها من معارضة لقانون الوحي ولعصمة جميع الأنبياء.

ومن المهم أن نعرف أن حديث الغرانيق حديث منكر من جهة الرواية، ومن جهة الدراية لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة الصحيحة، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل بل رواه جماعة بأسانيد ضعيفة واهية مقطوعة أو موضوعة، لا أصل لها، = وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم = [2]

وكان ينبغي أن يعرف هؤلاء المفسرون أن الاستدلال على امتناع تدخل الشيطان في قراءة النبى صلى الله عليه وسلم أولى من محاولة تثبيت الرواية المتهافتة، والله تعالى يقول: {وَمََا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ} (25) (التكوير: 25) ويقول: {وَمََا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيََاطِينُ (210) وَمََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمََا}

(1) انظر: الفخر الرازى. مفاتيح الغيب تفسير سورة النجم. وإسماعيل حقى. روح البيان. بيروت دار إحياء التراث العربى 19851405م ج 6ص 49، وج 12ص 5، 51.

(2) انظر: القاضي عياض. الشفا ج 2ص 293289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت