فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 386

قال المستشرق بعد أن عدّد آراء المسلمين في تفسير معانى هذه الحروف، بأنها ليست جزءا من القرآن وإنما هى رموز وإشارات حروفية إلى أصحاب تلك النسخ من القرآن، ومنذ أن قدم نولدكه هذا الزعم حاول عدد كبير من المستشرقين تدعيمه والتدليل عليه، فهم يقولون إن هذه الحروف إنما هى إشارات ورموز كانت تومئ إلى أسماء أصحاب هذه النسخ من المصاحف التى جمعها زيد بن ثابت فيما بعد واستعملها في إخراج نسخته التى كلف بجمعها، فمثلا = أل = رمز للزبير بن العوام، و = أل م ر = للمغيرة (ابن شعبة) ، و = حم = لعبد الرحمن ويزعم نولدكه بأن هذه الحروف المقطعة وجدت طريقها إلى القرآن بمحض الصدفة، بمعنى أنهم ضموها إلى القرآن ظنا منهم أنها جزء من التنزيل. هذا الرأى تبناه

هيرشفيلد ونشره في كتاب له. ولكن صاحب الرأى الأول أعنى نولدكه لم يلبث أن غير رأيه وتبنى رأيا آخر بدلا منه كما سنذكره فيما بعد. ولكن قبل أن نطرح الرأى الآخر مشفوعا بمحاولة صاحبه في التدليل عليه نود أن نبين تهافت رأى نولدكه وهيرشفيلد، إنهما يدعيان أن هذه الحروف يرمز بها إلى أسماء الأشخاص الذين كانوا يمتلكون المخطوطات التى اعتمد عليها زيد بن ثابت في جمع القرآن.

وهذا مردود لعدة أمور، منها:

أولا: أن زيدا كان يجمع القرآن ليس من نسخ كاملة، وإنما من مواد مختلفة كالعظام والجريد واللخاف والقباطى إلخ فأى ورقة أو أى جريدة أو أى عظمة يا ترى كانت تحمل هذه الحروف؟

ثانيا: إننا لم نسمع عن شىء كهذا من قبل ولا قرأناه في المصادر التى بين أيدينا التى حملت إلينا التفاصيل المتصلة بجمع القرآن، حتى تلك الروايات الضعيفة التي أولع جامعوها بإثبات بعض الروايات الغريبة والمتناقضة لم تذكر شيئا كذلك لا تصريحا ولا تلميحا.

ثالثا: لماذا وضعت هذه الحروف في أوائل هذه السور المعروفة بعينها وليس في غيرها؟

ولماذا كانت لهذا العدد من السور بالتحديد؟ ولماذا لم تأت في سورة متتالية وليست متقطعة؟

رابعا: وليس أقل أهمية من ذلك أن وضع الحروف المقطعة بهيئاتها التى هى عليها لا يتطابق مع الأسماء التى اقترحها المستشرق؟ فمثلا = الزبير = لا يرمز له ب = الر =، كذلك الحال بالنسبة للأسماء الأخرى التى حملها عليها، والحروف التى اقترحها لها، لذلك وجدنا ويلش يضع حرف بين قوسين هكذا بدلا من حرف الذى وضعه نولدكه وهيرشفيلد في دعوى أن الحروف = الر = ترمز إلى = الزبير = ثم إن الأسماء التى اقترحها المستشرقون لم تكن معروفة بحيازة مصاحف. هذا في الوقت الذى أهمل فيه هؤلاء المستشرقون ذكر أشهر المصحفيين والقرآنيين كعبد الله بن مسعود وعلي بن أبى طالب وأبي بن كعب وغيرهم.

خامسا: ليس من عادة العرب استعمال مثل هذه الطريقة في توثيق أشعارهم أو خطبهم.

لقد تبين من هذا العرض عدم فاعلية سلاح الاستشراق في معركته ضد القرآن لذا فقد فكر ويلش في أن يستعمل سلاحا آخر غيره. وعلى الرغم من ضعف نظرية نولدكه، فإنها للأسف قد وجدت ترحيبا كبيرا في الأوساط الاستشراقية وظلت هى السائدة في الكتابات

الغربية لوقت طويل، ولقد تبنى هذا التفسير الخاطئ للحروف المقطعة هيرشفيلد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت