فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 386

وهنا نتناول آراء المستشرقين ومن نهج نهجهم في طبيعة الحروف المقطعة وأسرارها إن مقولة المستشرق = لوث = في أن الحروف المقطعة قد تأثرت في أصل وضعها = بالكبالا = (التصوف اليهودى) يعد أكثر عشوائية ذهنية من مقالة الطاهر الآنفة الذكر، ما للقرآن والكبالا؟ ما علاقة الحروف المقطعة باليهود، وأين يا ترى هو الدليل على هذه الدعاوى العريضة؟ إن هذه الحروف جزء من الوحى، ومعانيها المحددة كانت وستظل موضع خلاف بين علماء المسلمين فهى من أسرار القرآن ومتشابهه، ولنا أن نجتهد في التعرف على معانيها ولكننا لا نقطع أبدا بأن ما توصلنا إليه باجتهادنا أو توصل إليه غيرنا هو مراد الله تعالى منها على القطع على أنه من اللافت للنظر حقا، أن هذه الحروف موزعة على تسع وعشرين سورة، سبعا وعشرين منها مكية، واثنين فقط مدنية، بخلاف ما زعم = لوث =. هذه السور منها الطويل، ومنها القصير، ومنها المتوسط ومنها المذكور في أول القرآن والمذكور في وسطه والمذكور في آخره ومن العجيب أننا لم نجد أحدا من المسلمين ولا نقاد القرآن قبل لوث زعم هذا الزعم. وقد أنصف حقا إف. إسكواللى في رفضه لرأى لوث ووصفه له بأنه عشوائي جدا. لكنه مع ذلك قد أثنى على طريقته ومنهجه في البحث في كتابه = تاريخ الآداب أو العلوم = حتى سنة 1919، ورفض إسكواللى بالتالى تفسير نولدكه الأخير للحروف المقطعة، والمبنى أساسا على رأى لوث السابق واعتبر إسكواللى بحق أن رأى نولدكه يحوطه الشك.

وعلى الرغم من هذا فإن إسكواللى يرى أن هذه الحروف لها معانى رمزية لا تزال لها صلة على نحو ما بتنقيح السور القرآنية التى تتصدرها، وإسكواللى، ولكنه هو الآخر مخطئ في زعمه بأن الحروف لها علاقة ما بتنقيح السور القرآنية إنه للأسف رفض الرأى الذى وصفه بالعشوائية في الوقت الذى تبنى هو رأيا أكثر عشوائية وأشد فحشا منه، إنه للأسف أوسع في الدعوى، وأمعن في البعد عن الدليل. ترى من نقح القرآن وهو كلام الله المنزل بحروفه ومعانيه وترتيب سوره وآياته؟ ومتى وقع هذا التنقيح ومن هم الشهود عليه؟. إن هذا الزعم جد ممعن في الغرابة، وهل تنقيح القرآن يتم بوضع مجموعة من الحروف الهجائية في أوائل بعض السور لا كلها هذه الحروف لا يقطع أحد من علماء المسلمين بحقيقة معانيها على وجه الدقة واليقين. ويفوض جمهور علماء الأمة علم معانيها إلى الله تعالى؟

كيف ساغ للمستشرق هذا الادعاء بالنسبة للقرآن وكيف اعتبر أن تصدير بعض سور القرآن بالحروف المقطعة التى يزعم أنها غير مفهومة المعنى تنقيحا؟ وما رأى المستشرق في السور التى تخلو من مثل هذه الحروف؟ هل تركت غير منقحة؟ أم نقحت بطريقة أخرى لم يعرفها المستشرقون أو عرفوها ولم يفصحوا عنها؟! لقد اطّرح المستشرقون كل ما توصل إليه المسلمون باجتهادهم في فهم معانى الحروف المقطعة، وافترضوا هم مفاهيم من وحى خيالهم لا تمتّ إلى القرآن بأدنى صلة. إنهم لم يقتنعوا بطبيعة التركيب القرآني الذى يقتضى نفسه من وجهة نظرنا على الأقل وجود الحروف المقطعة قبل الآية أو الآيات التى تليها، ولم يكتفوا كذلك بأقوال الصحابة أو بأقوال أهل العلم فيها بل اخترعوا تفسيرات من عند أنفسهم رضوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعتوا.

قال المستشرق بعد أن عدّد آراء المسلمين في تفسير معانى هذه الحروف، بأنها ليست جزءا من القرآن وإنما هى رموز وإشارات حروفية إلى أصحاب تلك النسخ من القرآن، ومنذ أن قدم نولدكه هذا الزعم حاول عدد كبير من المستشرقين تدعيمه والتدليل عليه، فهم يقولون إن هذه الحروف إنما هى إشارات ورموز كانت تومئ إلى أسماء أصحاب هذه النسخ من المصاحف التى جمعها زيد بن ثابت فيما بعد واستعملها في إخراج نسخته التى كلف بجمعها، فمثلا = أل = رمز للزبير بن العوام، و = أل م ر = للمغيرة (ابن شعبة) ، و = حم = لعبد الرحمن ويزعم نولدكه بأن هذه الحروف المقطعة وجدت طريقها إلى القرآن بمحض الصدفة، بمعنى أنهم ضموها إلى القرآن ظنا منهم أنها جزء من التنزيل. هذا الرأى تبناه

هيرشفيلد ونشره في كتاب له. ولكن صاحب الرأى الأول أعنى نولدكه لم يلبث أن غير رأيه وتبنى رأيا آخر بدلا منه كما سنذكره فيما بعد. ولكن قبل أن نطرح الرأى الآخر مشفوعا بمحاولة صاحبه في التدليل عليه نود أن نبين تهافت رأى نولدكه وهيرشفيلد، إنهما يدعيان أن هذه الحروف يرمز بها إلى أسماء الأشخاص الذين كانوا يمتلكون المخطوطات التى اعتمد عليها زيد بن ثابت في جمع القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت