إن الكاتب منصف في عرضه وفى ردّه هنا، ولكننا بتسليط بعض الضوء على ما بين السطور اكتشفنا أن الكاتب يريد أن يعطى القارئ انطباعا مؤداه أن القرآن كتاب طلاسم غير مفهوم للمسلمين قديمهم وحديثهم وهذا الفكرة في حد ذاتها تمثل عصب الدراسات الاستشراقية بوجه عام وأمر المستشرقين في هذا أغرب مما يتعجب منه، فالقرآن قد أوجد أمة عظيمة وشكّلها تشكيلا فريدا، وقاد مسيرتها إلى القوة، والخير، والعدل، والمجد، والحضارة ومن القرآن انبعثت علوم المسلمين ومعارفهم وبهذه الآيات الإلهية حكموا وسادوا، وتعلموا وعلموا، وأسسوا قواعد المنهج والعلوم التجريبية. ومهما يكن الأمر فإن الغموض الذى يحيط بالحروف المفرقة لا يترتب عليه ضياع تكليف شرعى، أو إسقاط قاعدة عقدية يكون الجهل بها ضارا بالمكلّفين، أو مثارا لتشككهم في الدين.
وهنا نتناول آراء المستشرقين ومن نهج نهجهم في طبيعة الحروف المقطعة وأسرارها إن مقولة المستشرق = لوث = في أن الحروف المقطعة قد تأثرت في أصل وضعها = بالكبالا = (التصوف اليهودى) يعد أكثر عشوائية ذهنية من مقالة الطاهر الآنفة الذكر، ما للقرآن والكبالا؟ ما علاقة الحروف المقطعة باليهود، وأين يا ترى هو الدليل على هذه الدعاوى العريضة؟ إن هذه الحروف جزء من الوحى، ومعانيها المحددة كانت وستظل موضع خلاف بين علماء المسلمين فهى من أسرار القرآن ومتشابهه، ولنا أن نجتهد في التعرف على معانيها ولكننا لا نقطع أبدا بأن ما توصلنا إليه باجتهادنا أو توصل إليه غيرنا هو مراد الله تعالى منها على القطع على أنه من اللافت للنظر حقا، أن هذه الحروف موزعة على تسع وعشرين سورة، سبعا وعشرين منها مكية، واثنين فقط مدنية، بخلاف ما زعم = لوث =. هذه السور منها الطويل، ومنها القصير، ومنها المتوسط ومنها المذكور في أول القرآن والمذكور في وسطه والمذكور في آخره ومن العجيب أننا لم نجد أحدا من المسلمين ولا نقاد القرآن قبل لوث زعم هذا الزعم. وقد أنصف حقا إف. إسكواللى في رفضه لرأى لوث ووصفه له بأنه عشوائي جدا. لكنه مع ذلك قد أثنى على طريقته ومنهجه في البحث في كتابه = تاريخ الآداب أو العلوم = حتى سنة 1919، ورفض إسكواللى بالتالى تفسير نولدكه الأخير للحروف المقطعة، والمبنى أساسا على رأى لوث السابق واعتبر إسكواللى بحق أن رأى نولدكه يحوطه الشك.
وعلى الرغم من هذا فإن إسكواللى يرى أن هذه الحروف لها معانى رمزية لا تزال لها صلة على نحو ما بتنقيح السور القرآنية التى تتصدرها، وإسكواللى، ولكنه هو الآخر مخطئ في زعمه بأن الحروف لها علاقة ما بتنقيح السور القرآنية إنه للأسف رفض الرأى الذى وصفه بالعشوائية في الوقت الذى تبنى هو رأيا أكثر عشوائية وأشد فحشا منه، إنه للأسف أوسع في الدعوى، وأمعن في البعد عن الدليل. ترى من نقح القرآن وهو كلام الله المنزل بحروفه ومعانيه وترتيب سوره وآياته؟ ومتى وقع هذا التنقيح ومن هم الشهود عليه؟. إن هذا الزعم جد ممعن في الغرابة، وهل تنقيح القرآن يتم بوضع مجموعة من الحروف الهجائية في أوائل بعض السور لا كلها هذه الحروف لا يقطع أحد من علماء المسلمين بحقيقة معانيها على وجه الدقة واليقين. ويفوض جمهور علماء الأمة علم معانيها إلى الله تعالى؟