يستمر المستشرق ويلش في استعراضه لأمثال القرآن أو قصصه، فيشير إلى ما جاء عن النبيين يحيى وعيسى عليهما السلام، وبخاصة قصة الميلاد والبشارة وكلام جبريل عليه السلام، ما يلفت النظر إلى أن هذه المشابهة تتجلى بين حكاية القرآن وحكاية إنجيل لوقا بوجه خاص، وقد أثبتنا في بحث آخر لنا بشرية المسيح عليه السلام، من خلال الألفاظ والعبارات المتشابهة بين القرآن وإنجيل لوقا، وليس من غرضنا هنا الدخول في هذه التفاصيل، ولكننا نقول إن الكاتب الذى لم يستطع لا هو ولا أحد من المستشرق أن يثبتوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تلقى شيئا من كتبهم، أو أن كتبهم هذه كانت قد ترجمت إلى العربية حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وتمشيا مع خطه المعوج، يزعم المستشرق أن نقاط الخلاف بين القرآن وكتب النصارى تتضمن أدلة على تطور الأفكار في القرآن كيف يصح ذلك مع أن العبارات التى يشير إليها ويلش هنا خرساء لا تعبر عن هذا تماما، وكل الأدلة التى أهمل ذكرها تأخذ بخناقه وتكذبه. إن التطور في أى عمل أدبى يأتى على مراحل ولا بد، هذه المراحل يجب أن تكون محددة ومعلومة، فأين يا ترى هذه الأدلة التى تبرهن على وجود هذه المراحل التى مرت بها قصتى يوحنا والمسيح في القرآن؟
وكيف ينفرد الكاتب بهذه المعلومات الخطيرة التى لم تصل إلى علم أحد من العالمين بالقرآن ولا خطرت على قلب خصم آخر معاند للكتاب العزيز. هذا على أن القرآن لا يحتوى على أفكار متطورة، ولكنه يحتوى على مبادئ وتعاليم إلهية ثابتة.
وأما ما وجد في القرآن مشابها من قريب أو من بعيد لما يسمونه بإنجيل الصبوة أو الأناجيل الشفهية غير المعتمدة من الكنيسة، فليس يصلح أن يكون حجة لهم بل هو في حقيقة الأمر حجة عليهم، فإذا كانوا لم يستطيعوا أن يثبتوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم اطلع على كتبهم القانونية المعتمدة فكيف يمكنهم أن يثبتوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد طالع هذه الكتب التى كانت مطاردة منهم ومجهولة من العامة والخاصة من بينهم؟ ونسألهم في إطار هذه القرينة لم لا تكون مثل هذه الأناجيل هى الأقرب إلى إنجيل المسيح من الأناجيل التى بين أيديكم؟ وعلى أى أساس يا ترى كان رفضكم لها؟ إن ما فيها مما يوافق القرآن هو بلا شك أثر من آثار الوحي السابق الذى جاء به المسيح عليه السلام وأبقاه الله تعالى ليكون حجة للمسلمين عليهم، فموضوعات كخدمة مريم في المعبد وطريقة تربيتها كما جاءت في القرآن حق لا مرية فيه وكلام المسيح في المهد إخبارا بوحي لا شك في ذلك، وهو غير موجود عندكم وهل تنكرون أن كلاما كثيرا مما قاله المسيح قد فقد وضاع، وأن الأناجيل الحالية لم تحتفظ من أقواله عليه السلام إلا باليسير، وأن ما أضيف إليها واختلط بها كثير، وأن الاختلافات والتناقضات حتى في سلسلة نسب المسيح تحتم عليكم قبول ما قلناه، وهو ما انتهت إليه دراسات نقاد الكتاب المقدس في الغرب ناهيك عن الإشارة إلى سقوط سلسلة النسب المزعومة هذه من بعض الأناجيل.
على هذا المحك يجب أن نعرض الدعاوى، وبهذا المعيار ينبغى أن نقيس الكلام ونصدر الأحكام، ولكننا لضيق المقام نكتفى في هذا المجال بما قلناه وأوضحناه سواء بالنسبة لقصص الأنبياء والشخصيات وغيرهم من القصص الأخرى الواردة القرآن الكريم، وفى كتب اليهود والنصارى.