فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 386

الناس دونها ولكن العكس هو الصحيح. لقد دخل الناس في الإسلام أفواجا، وأقبلوا على القرآن حفظا ودراسة وتبنوا لغة القرآن بشمولها واتساعها في أحاديثهم، ومعاملاتهم، وفى تقييد أفكارهم، وضبط علومهم وثقافاتهم وآدابهم في التعبير عن آلامهم وآمالهم وأفراحهم وأتراحهم، وتخلوا طواعية عن لغات أوطانهم التي نشئوا عليها، وترعرعوا في أحضانها، وتقلبوا في فيحائها، ورضعوا أفاويقها، وحرّ لبانها، ويمكن لنا أن نفسر هذا التحول إلى اللغة العربية بأنه كان ترجمة عملية لقوة إيمان الذين دخلوا في الإسلام من غير العرب، وشدة قبولهم لما جاء في القرآن حول القرآن، ولما وجدوا في القرآن من كلام لا عهد للإنسان به من أخيه الإنسان، وبخاصة أنه كانت لبعض هذه الشعوب كتبا مقدسة كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. بل كان منهم من يعتقدون بأن كتب أنبيائهم معجزة، كالمجوس الذين اعتقدوا أن كتاب زرادشت، وكتاب مانى معجزان [1] لذا فقد أقبل المؤمنون من غير العرب مطمئنين على لغة القرآن يتعلمونها ويتقنونها ولم يفكروا البتّة في نقل القرآن إلى لغاتهم ربما لأنهم قد لاحظوا فوق ما قلناه عن القرآن عجز لغاتهم عن تحمل معانى كلام الله تعالى.

وأمّا ما قيل من أن بعض الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يترجم لهم الفاتحة إلى الفارسية ليصلّوا بها حتى تلين ألسنتهم، فكتبها لهم، فرواية ضعيفة لا يعول عليها. ثم إن الفاتحة عبارة عن أدعية جميلة تهفوا لها الأسماع وتهش لها النفوس وتطير نحوها القلوب، وملايين أطفال المسلمين يحفظونها برغم صعوبة الكلام عليهم إذا عانوا غيرها من الحديث، وإذن فالحاجة إلى ترجمتها لم تكن ماسة حتى يكتبوا إلى بلال يطلبون ترجمتها [2] .

وحتى لو أخذنا الرواية مأخذ القبول على ريب منا، فإنه قد ورد أن بلالا لم يترجم الفاتحة كلها، وأنه تعزر عليه نقل {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} وجاء في كتاب النفحة القدسية أن سلمان ترجم لهم البسملة فقط. وهذا يعنى أيضا، إذا صح أن سلمان لم يستطع أن يترجم الفاتحة وأنه رفض ذلك.

(1) الباقلانى. إعجاز القرآن ص 55

(2) انظر مجلة الأزهر 1903، ومحمد فريد وجدى = الأدلة العلمية على ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية = ملحق بالجزء الثانى من مجلة الأزهر 1355ط 2، ص 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت