وذكر الشيخ رشيد رضا أن هذا الأثر إذا أريد به أن سلمان كتب لهم ترجمة الفاتحة بلغة الفرس فكيف يكون ذلك وسيلة للين ألسنتهم (كما في الأثر) ، وهم لم يقرءوا الفاتحة إلا بلغتهم، وأما إذا أريد به أنهم طلبوا من سلمان كتابتها بالخط الفارسى، فالخط الفارسى قريب من العربى ولا دخل له أيضا بلين الألسنة والصواب أن الأثر غير صحيح [1] . يبدو أن الشيخ رشيد رضا فهم لين الألسنة على غير وجهها وبالتالى عليه ضعّف هذا الأثر، ونحن معه في أن الأثر ضعيف ومردود، ولكننا نخالفه في فهم عبارة = حتى تلين ألسنتنا =، إذ المقصود بها، حتى نتعلم العربية، ويسهل علينا النطق بها، من خلال تعلمنا لها لا من خلال قراءة الفاتحة بالفارسية، كما فهم الشيخ رضا.
وكما تعذر على الناس الإتيان بمثل القرآن، كله أو بعضه أو حتى سورة منه، تعذر عليهم أيضا ترجمته، وتحويل معانيه عن ألفاظها التى قدّت لها وصيغت من أجلها.
حاول كثير من الناس أن يترجم معانى القرآن، فاستحال عليهم نقله وتعذرت ترجمته، فترجموا منه شيئا يسيرا مثل: {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} ، و (سورة الفاتحة) ، كما أشرنا إليه، على استخراج شديد، ونقل بعيد، وشدة ومعاناة حتى لقد قال بعض العلماء باللغة: = لو أن الناس عمدوا أن ينقلوا قول الله عز وجل: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (45) (القمر: 45) ، أو قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}
(المائدة: 54) ، أو قوله تعالى: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى ََ سَوََاءٍ} (الأنفال: 58) لا يمكن نقله على هذا الاختصار، حتى يوسع الكلام فيه، ويكثر القول فيه بما يخرجه عن معناه، ويسلب بهاءه، ومثل هذه الألفاظ كثيرة لا تنقل من لغة العرب إلى سائر اللغات، ولا توجد لها ترجمة. هذا كلام الشيخ أبى حاتم أحمد بن حمدان الرازى (ت: 322هـ) فى كتاب = الزينة في الكلمات الإسلامية العربية = [2] . ونقل الرازى عن محمد بن عبد الله العتبى قال عليّ كرم الله وجهه: = كلام العرب كالميزان الذى يعرف به الزيادة والنقصان، وهو أعزب من الماء، وأرق من الهواء، إن فسرته بذاته استصعب، وإن فسرته بغير معناه استحال فالعرب أشجار، وكلامهم ثمار، يثمرون والناس يجتنون، بقولهم يقولون، وإلى علمهم يصيرون =.
(1) انظر محمد مصطفى الشاطر. القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد. طبعة حجازى 1355، 1936، ص 125، 124.
(2) الكتاب من جزءين متوسطين حققه حسين بن فيض الله الهمدانى اليعبرى الحرازى القاهرة 1958انظر 1/ ص 66وما بعدها.