وفى عصرنا الحالى اتسعت ترجمات القرآن في اللغات المختلفة وبمراجعة سريعة لهذه الترجمات لاحظنا أن بعضها يضع صورا غير لائقة على الغلاف، مما يتنافى مع روح القرآن ويصادم تعاليمه التى تحرم الرسوم والتصاوير وبعض هذه الترجمات يضع اسم محمد صلى الله عليه وسلم مع الترجمة، كأن يكتب قرآن محمد مثلا، مما يوحي أن محمدا هو مؤلف هذا الكتاب وبعض المترجمين يكتب مقدمات إضافية عن القرآن يضمنها كل سمومه ويشربها كل أحقاده، يصور للقارئ أنه بصدد قراءة كتاب مؤلفه بشر، هذا الكتاب متناقض وغير موثق، كتاب ملفق منتحل من اليهودية والنصرانية ومصادر أخرى، وأن تعاليمه وحشية همجية تنافى العمران وتضاد المدنية وبعض المترجمين يلفق في مقدمة ترجمته الحانقة، الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل اليهودى العراقى داود مثلا، وغيره إذ قدم هذا المترجم الأخير ثبتا تاريخيا يصور من خلاله محمدا بأحط صفات الوحشية، وبالعداء
الدموى لليهود وللأسف فإن هذه الترجمة قد طبعت ووزعت بالآلاف ولا زالت تطبع وتوزع، وتقوم على نشرها دار بنجون من كبريات دور النشر في بريطانيا وفى العالم ناهيك بما في هذه الترجمة، وقريناتها من أخطاء ومغالطات واعتساف وإجحاف.
وهذه ترجمة ريجيس بلاشير (19731900) الذى كان عضوا في المجمع الفرنسى الأعلى بباريس والمجمع العلمى بدمشق، وأستاذا في معهد الدراسات المغربية في الرباط ترجم بلاشير القرآن إلى الفرنسية، ونشره في ثلاثة أجزاء في الأعوام من 1947 إلى 1952، وفى هذه الترجمة فعل بلاشير ما لم يستطع أحد أن يفعله بالنسبة للنص العربى إذ دس آية الغرانيق المزعومة ضمن آيات سورة النجم، وهذه خيانة علمية، كفيلة وحدها أن تسقط اسمه من ديوان الكتاب الباحثين. كيف اعتبر بلاشير هذه العبارات قرآنا وقد ذكرنا أن نص عبارة آية الغرانيق قد ورد بعدة صيغ، ولا ندرى كيف سوغ هذا المستشرق لنفسه أن يتخير منها صيغة واحدة بعينها ويهمل الصيغ الأخرى. أما كان يكفى بلا شير عجزه في فهم أسرار اللغة العربية واللغة القرآنية بالذات، وقصوره البيّن عن فهم دقائق التعبير القرآنى ونقله ولو بصورة تقريبية إلى اللغة الفرنسية حتى يضيف إليه من وحي عناده لكنه آثر عرض الحياة الدنيا على عرض الحقائق العليا، والالتزام بالمنهج العلمى الصحيح.
وفى الطبعة الأولى للترجمة الفرنسية التزم بلاشير بالترتيب الزمنى للسور والآيات، الذى أخذه عن سلفه من المستشرقين كما أشرنا إليه، لكنه لما لم يلق قبولا من الباحثين، عاد بلا شير فتبنى الترتيب الأصلى للمصحف في طبعة أخرى لترجمته كانت أوسع انتشارا من الأولى. ظهرت الترجمة الأخيرة في جزءين، في عام (1949و 1950) ، وفى 1239 صفحة من حيث الحجم [1] فى المدخل أو الترجمة دس بلا شير الكثير من الأساطير حول القرآن إنه بالطبع ينطلق من مقولة استشراقية خاطئة، هى بشرية القرآن ثم إنه يزعم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن حريصا على كتابة القرآن عند ما كان ينزل عليه والسبب في ذلك عند المستشرق المحلل، أن خوفه صلى الله عليه وسلم كان شديدا عند نزول القرآن عليه لأول مرة مما جعل من الصعب عليه كتابة القرآن، هذا أولا، وأما ثانيا: فلأن المسلمين كانوا في صراع دائم مع
(1) عبد الرحمن بدوى. موسوعة المستشرقين وانظر: نذير حمدان. مستشرقون 151.