هذا مع ضرورة استحضار هذه الحقيقة في الذهن وهى أن أدوات الكتابة كانت بسيطة لا تعدو أن تكون لخاف النخيل، وجذوعه، والحجارة المستدقة، وجريد النخل، بالله عليك أيها القارئ من يستطيع احتكار هذه الأشياء، يهودا كانوا أو غير يهود.
إن وجود هذا العدد من كتّاب الوحي حول الرسول صلى الله عليه وسلم بكذب دعوى بلاشير التى لا أساس لها، ولا يستسيغها عقل سليم. أما زعمه بأن العرب لا يهتمون بالمستقبل فهو من باب البث الاستعماري من قبيل الحرب الباردة إنه يحاول بعد أن خنقته الأدلة، أن يؤصل دعوى أرباب نعمته من المستعمرين في الحطّ من العقلية العربية، واللغة العربية، فيعود بدعوى الاتكالية والقدرية إلى نبى المسلمين نفسه صلوات الله وسلامه عليه وهو سيد العاملين ومشيّد أرقى حضارة في العالمين.
ونقول في سياق الرد عليه أيضا، إذا كان العرب لا يهتمون بالعمل للمستقبل، ويتركون الأمور تسير هكذا على القدر، فمن هم الذين، يا ترى، قد حفظوا القرآن، وحافظوا عليه، وكتبوه، وجمعوه، وبثوه في الآفاق، وعلموه الناس؟ ومن هم هؤلاء الذين فتحوا الممالك، وأقاموا المدائن، وأسسوا دور العلم والعبادة، وعبّدوا الطرق، وبنوا المستشفيات، وأنشئوا الجامعات والأساطيل، ونشروا العلوم والمعارف، وأقاموا الحضارة وأرسوا قواعدها على الإيمان بالله الواحد، وعلى القرآن الزاخر بالقيم والأخلاق، وتركوا هذه الذخائر من المخطوطات التي تغطي كل مجالات العلوم والمعارف وتلك المساجد والقصور في مشارق الأرض ومغاربها، خير شاهد على فضلهم وتفوقهم وسبقهم؟
لقد تعلم المسلمون وتهذبوا وتحضروا، بينما كانت أوربا لا تزال تضرب في بيداء الجهالة والوحشية والبربرية بجران. هذا ما يقرره المنصفون من الأوربيين أنفسهم. وإن الحضارة التى نعم بها بلاشير وتاه على المسلمين بمعطياتها لم تكن لتبرز إلى الوجود لولا ظهور أمة التوحيد بتعاليم نبى الرحمة. إن محمد صلى الله عليه وسلم كان يحسب لكل شىء حسابه، ويضع كل شيء في موضعه الصحيح، وإن الإسلام بحملته إنما جاء لتعديل الحاضر الوبيء، وتهيئة المستقبل الصالح للأمة المؤمنة دينا ودنيا لإنقاذ البشرية كلها.
إن أخطاء المترجمين الغربيين ومقدماتهم وتعليقاتهم على هذه الترجمات إنما هى تجسيد حي لموقفهم المنحاز ضد القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم إما، جهلا وإما تحريفا، يترجمون العبارة القرآنية واللفظ القرآنى بألفاظ وعبارات تنحط بالعبارة عن رتبتها البلاغية الإعجازية وتنزل بها إلى مستوى بشري عادي، أو قريبا منه، من حيث الأسلوب والمعنى.
فعلى سبيل المثال ترجم بعضهم قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} (العصر: 1) هكذا ، بما يجعل القسم الإلهى بفترة زمنية محدودة من فترات النهار وهو غير المقصود من كلمة العصر التى تستغرق الزمن كله أو الفترة العظيمة منه، وترجموا آية {اقْرَأْ} هكذا وتجنبوا كلمة ، وذلك لأن الكلمة الأولى تعنى اقرأ من شىء معد من قبل وهو مما يتسق مع دعواهم في بشرية القرآن واستلاله من مصادر بشرية أقدم منه.