يعتبر عام (1734) فى تقدير كتّاب الغرب، بداية لمعرفة جديدة وأكيدة بالإسلام.
ولقد مثلت ترجمة جورج سيل القاعدة العريضة للترجمات والبحوث اللاحقة، في مجال الدراسات الإسلامية باللغات الأوربية حتى القرن التاسع عشر. زعم سيل أنه إلى جانب معرفته باللغة العربية قد اعتمد على بعض كتب التفسير الإسلامية العربية، وعلى ترجمة القس الإيطالى لودوفيكو مارّاكسى التى نشرت في بادو عام 1698وقبل أن نلقى بعض الضوء على ترجمة ماراكسى ينبغى أن نوضح أن سيل لم يعترف بفضل الأخير عليه كما ينبغى، وأنه قد تبين من مجموعة المخطوطات العربية والتركية والفارسية التى ضمتها مكتبته الخاصة والتى انتقلت فيما بعد إلى مكتبة بودلى بأكسفورد، ليس فيها أيا من هذه التفاسير الإسلامية العربية، التى أشار إليها المترجم، اللهم إلا تفسير البيضاوى الذى يشير إليه سيل كثيرا في تعليقاته على بعض آيات القرآن. كتب القسيس الإيطالي مقدمة شغبية حانقة ضد الإسلام نشرها مع الترجمة المشار إليها، والتى سبق أن نشرها باللغة اللاتينية مع النص العربى في روما سنة 1691م. كان غرض القسيس الإيطالي هو هدم الإسلام، بحسب تخيله، عن طريق هذه الترجمة، والهجوم غير العلمى على الإسلام، الذى ألحقه بمقدمته من أجل أن يصل إلى غرضه المحموم في تشويه الإسلام. عكف مارّاكسى على دراسة العربية والمصادر الإسلامية أربعين عاما من عمره [1] . قد يكون في هذا الكلام مبالغة ولكنه على أى حال يدل بوضوح على مدى العداء الذى كان يكنه رجال الكنيسة الكاثوليكية للإسلام.
فى هذه القرينة لا يفوتنا أن ننبه على نقطة مهمة، وهى أن اهتمام رجال الدين المسيحى بدراسة الإسلام قد سبق، بلا شك، اهتمامهم بدراسة أى دين آخر، وذلك لأنهم رأوا في الإسلام خطرا على ديانتهم، وعلى شعوبهم، لم يروه في أي ديانة أخرى، كما رأوا أنه يتغلغل في نفوس معتنقيه، لا يفرق بين ما هو دنيوى وما هو دينى، إنه ليس دين جوانع أو صوامع أو معابد، بل هو دين يشمل الحياة كلها لذلك فقد جندوا كل طاقاتهم وحشدوا كل إمكاناتهم للإطاحة بنفوذ هذا الدين. أو على الأقل إضعافه في نفوس
(1) انظر: عبد الرحمن بدوى. موسوعة المستشرقين والمصادر التى ذيل بها المؤلف كلامه عن سيل ص 251.