فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 386

إن مقصد الكاتب هنا غير كريم، وإن حاول تغليفه بالعبارات الفضفاضة غير محددة المعانى، إنه يزعم بأن القرآن لم يكن معروفا بهذا الاسم قبل هذه الآية، تلك النقطة التى رددناها في نحره من قبل. ولكن يبدو أنه مصر عليها، متشبث بها إنه يزعم بأن محمدا إنما

سمى القرآن بهذا الاسم، ليضعه على قدم وساق، مع التوراة والإنجيل وأن ذلك إنما حدث بسبب تأثر محمد صلى الله عليه وسلم بالكتابين وهذا ضرب من الكاتب في عماية، ودليل على تمسكه المستميت بالأصولية الاستشراقية، التى تزعم بأن محمدا انتحل القرآن من كتب اليهود والنصارى، وهو أمر يرفضه المسلمون جملة وتفصيلا بل ويكذبه التاريخ والمنهج العلمى السليم.

وكون القرآن والتوراة والإنجيل تذكر في سياق واحد في هذه السورة المدنية، لا يعنى بحال أن محمدا صلى الله عليه وسلم تعمد بذلك إعلاء قيمة القرآن فالقرآن كلام الله القديم، وقد أخبر الله في كلامه العزيز أن القرآن الكريم يسمو على كل ما حملته، أو انتحبته اللغات البشرية من علوم وآداب ونظم وبلاغة ثم إن قرينة الآية مخالفة تماما لما حاول المستشرق أن يؤسسه من دعوى إذ أن الآية الكريمة تتحدث عن الجهاد، وعن وعد الله للمجاهدين وليس في الآية تنويه بالقرآن وإنما فيها تنويه بالوعد الإلهى للمجاهدين بالجنة والعجب كل العجب، أنه يزعم أن لفظ = القرآن = في هذه الآية، قد اقترب من معنى لفظ = قرآن = الذى هو عنوان كتاب الله، هكذا لمجرد أنه ذكر في سياق واحد مع التوراة والإنجيل إن الكاتب يتكلم عن مجرد أمانى وأظانين وتخيلات عن كتاب جاء بالحق، وبالحق نزل.

إن الكاتب محكوم في هذا الزعم بقالب فكرى جامد، وفرضية تخمينية هزيلة، وهى أن التوراة والإنجيل، هما وحدهما الكتابان المقدسان، وأن القرآن إنما هو تقليد لهما، أو اقتباس منهما وسوف نرى عند تناولنا لموضوع ترجمة معانى القرآن، أن المترجمين الغربيين، بصفة عامة، قد انطلقوا من قاعدة هشة واحدة، وهى أن القرآن من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كتاب محرف، ومتناقض، وليس وحيا من عند الله، إلى درجة أن إبراهيم جيجر اليهودى الألمانى، قد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اطلع على التوراة، وكتب الأنبياء، وعلى التلمود، والمشناة في اللغات المختلفة العبرية والآرامية كذلك، هذا على الرغم مما سبق أن قررناه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان أميا. وأن هذه الكتب لم تكن قد ترجمت بعد إلى العربية. وعلى فرض أن محمدا كان قارئا وهو ما لم يثبت البتّة، فإن الكاتب يتجاهل الشواهد القرآنية

الكثيرة، التى قدمنا أمثلة كافية منها للتدليل على أن القرآن كان معروفا منذ نزوله بهذا الاسم للمسلمين ولمشركى مكة جميعا بل إنه كان معروفا أيضا للجن فهم قد سمعوه وتأثروا به أبلغ التأثر، ووصفوه بقولهم: {قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} (2) (الجن: 21) وبقولهم كذلك: {إِنََّا سَمِعْنََا كِتََابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ََ مُصَدِّقًا لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى ََ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} (30) (الأحقاف: 30) ، ثم آمنوا به وصدقوه بل ودعوا قومهم إلى الإيمان به وإلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: {يََا قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اللََّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لََا يُجِبْ دََاعِيَ اللََّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءُ أُولََئِكَ فِي ضَلََالٍ مُبِينٍ} (31) (الأحقاف: 3231) وفى نهاية الفصل لا يفوتنا أن ننبه على المغمز الاستشراقى في كلام ويلش، الذى دسّه في ثنايا كلامه، يقول: = إن القرآن لم يكتب في صورته النهائية، إلا بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كنا سنناقش هذه الدعوى في موضع آخر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، إلا أننا ننبه باختصار، أن القرآن الكريم قد كتب على الورق، وسعف النخيل، واللخاف، والرقاع، وغيرها، في حياة محمد صلى الله عليه وسلم سجله كتّاب مخصوصون، عرفوا بكتّاب الوحى كما كتبه بعض الصحابة ممن يجيد القراءة والكتابة لأنفسهم. وكان القرآن كله مجموعا، ومحفوظا، في حجرة نوم النبى صلى الله عليه وسلم كذلك كان القرآن محفوظا في صدور المسلمين، رجالهم، ونساؤهم، وأطفالهم وما بالك بكتاب لا تتمّ الصلاة إلا به، ولا يدار الحكم إلا بمقتضاه، ولا تتم الأنكحة، والجنائز إلا بتلاوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت