الثانى: نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا وقد نزل القرآن في كلا التّنزّلين جملة واحدة.
أما التّنزّل الثالث: فهو نزول جبريل عليه السلام به منجما آيات تلو آيات، على الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب المناسبات والأحوال ومراعاة لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وتثبيت القرآن أيضا في فؤاده صلى الله عليه وسلم حفظا وتمكينا ثم في أفئدة الصحابة استظهارا وتطبيقا وقد استغرق نزول القرآن على النبى ثلاثا وعشرين سنة.
أول آيات نزلت من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ} (5) (العلق: 1: 5) تلك الآيات التى تتكلم عن أول مراحل نزول القرآن (اقرأ) يعنى تعلّم وعلّم، اقرأ واستقرئ كما تتكلم عن أول مراحل الخلق بالنسبة للإنسان المخاطب بالقرآن {خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ} ، وتتكلم كذلك عن تعليم الإنسان بالقلم كأن المداد هو مادة خلق العلم كالعلق الذى هو مادة الخلق وفى هذه الآيات أيضا نداء للمسلمين أن يلاحظوا ويجربوا ويستنتجوا. وقد ربط الله تعالى في هذه الآيات المتصلة بين طلب القراءة وبين عملية الخلق، الخلق الأول والخلق المتجدد. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد ربطت الآيات بين العلم الأصلى وبين العلم المتطور المنبثق عنه، وربطت ذلك كله في النهاية برب العالمين، أكرم الأكرمين، الذى خلق وعلّم ورزق ودبّر قبل أن يكلّف وهذه من المناسبات القرآنية اللطيفة.
وآخر سورة نزلت من القرآن الكريم هى سورة النصر نزلت بعد حجة الوداع في منى، وقد استنتج منها ابن عباس رضي الله عنه، قرب وفاة النبى صلى الله عليه وسلم.
والقرآن منه ما هو مكي ومنه ما هو مدني، والفاصل الزمنى بينهما الهجرة النبوية.
ومن القرآن ما نزل بليل وما نزل بنهار، وما نزل بالبيت وما نزل بالغار، ومنه ما نزل على الجبل وما نزل بالمسجد، ومنه ما نزل في الحل ومنه ما نزل في الترحال، ومنه ما نزل بحضرة بعض الصحابة ومنه غير ذلك وقد استقر نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين وعشرين سنة، وشهرين، واثنين وعشرين يوما.
عدد سور القرآن 114سورة، وثلاثين جزءا، وعدد آياته على الأرجح (6236) آية بحسب العد الكوفى وعدد كلماته (77473) كلمة وعدد حروفه بالرسم يعنى كتابة (323071) حرفا وعدد حروفه باللفظ أو الصوت (332588) والفرق بين المرسوم والملفوظ منه (9517) ، وهذا الفرق ناتج عن الحروف المشددة إذ أنها ترسم حرفا واحدا وتلفظ حرفين.
وقد سمّى الله تعالى هذا الكتاب بالقرآن، وهو أخص أسمائه وأدلها عليه على الإطلاق، وبالفرقان، وبالضياء والنور، كما سماه الكتاب والحكمة، والذكر، والوحي، والروح إلخ وكل اسم من هذه الأسماء يشير إلى صفة قرآنية خاصة تعبر عن جانب من جوانب القرآن الكثيرة والمتنوعة، وكما ذكر الله تعالى أسماء القرآن في القرآن عرّفنا كذلك مصدر هذا الكتاب: {الْحَمْدُ لِلََّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى ََ عَبْدِهِ الْكِتََابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} (1) (الكهف: 1) {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل: 6) ، {تَنْزِيلُ الْكِتََابِ مِنَ اللََّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ الْكِتََابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللََّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (2) (الزمر: 21) {الرَّحْمََنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (2) (الرحمن: 21) وعرّفنا كذلك الشهر الذى نزل فيه هذا الكتاب العزيز وذكره باسمه دون سائر الشهور فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضََانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنََّاسِ وَبَيِّنََاتٍ مِنَ الْهُدى ََ وَالْفُرْقََانِ} (البقرة: 185) وعرفنا الليلة التى أنزل فيها القرآن جملة: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1) (القدر: 1) ، ولذلك عظم الله تعالى شهر القرآن بالصيام والقيام والصدقة، كما عظم ليلة القدر باختصاصها بعظيم الفضل والقدر وبمزيد الأجر للعاملين فيها.