إن قول الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثََانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (87) يعنى أن الله تعالى هو الذى أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذى أنزل عليه القرآن أيضا وليست الواو الواقعة بين = المثانى = و = القرءان =، تفيد المغايرة في النوع وإنما تنص على الفضل في الرتبة فقط وعلى الخصوصية. ومثاله أن أقول لآخر = أعطيتك السبع لآلئ والعقد العظيم =، فليس معناه أن = السبع لآلئ = غير = العقد العظيم = وإنما هو جزء منه نبهت عليه لفضل أو ميزة رأيتها فيها، في السبع لآلئ مع الاحتفاظ بالثناء على مجموع ما فى
العقد. ولكل آية في القرآن فضل خاص يذكر في إطار الفضل العام الذى يشتمل عليه.
إن القرآن كالجسد الواحد، تتصل أعضاؤه، وترتبط أجزاؤه بعضها ببعض، في انسجام تام، وجمال يسمو على كل جمال. وقد ذكرنا أن القرآن يحتوى على القصص والأمثال، والمواعظ، والأحكام، والآداب، والأخلاق، والعقائد، والشرائع. كل ذلك، وغيره، أورده القرآن في سياق وثيق، وربط دقيق، وبناء محكم متقن. ثم إن هذه القصص التى يزعم المستشرق أنها ململمة من هنا وهناك، ومقحمة في القرآن، لها وظيفة خاصة، تؤديها في إطار النظام القرآنى العام، والتصميم الإلهى المحكم لهذا الكتاب المعجز. وليس يفوت القارئ الواعى، والدارس المنصف للقرآن الكريم، أن هذه الآيات تجرى على الدرجة نفسها من بلاغة القرآن، وأنها تحمل الصبغة الإلهية ذاتها التى يتميز بها كلام الله من بدايته إلى نهايته.
وإذن فتفسير المستشرقين لقول الله تعالى: = سبعا من المثانى = على أنها تعنى المماثلة فيما بينها، مرفوض وقد أوضحنا أن هذه المماثلة، موجودة بين آيات القرآن كلها، سواء من حيث المصدر، أم من حيث النص أم من حيث البناء اللغوى والأسلوب والبيان كذلك فكل ما في القرآن قرآن، وكل ما يطلق عليه هذا الاسم هو كلام الله رب العالمين، لا اختلاف فيه لأنه من عند الله، وليس من تأليف البشر، الذين تحكمهم عند الكتابة، الظروف والأحوال النفسية والجسدية والمؤثرات الاجتماعية والثقافية والبيئية التى يعيشون فيها ويتجاوبون معها بدرجات متفاوتة.
وقبل أن نغادر هذه النقطة، نود أن نلفت النظر إلى أمر مهم، وهو أن المستشرقين ركزوا قصص القرآن في سبع فقط كما أشرنا إليه، وهى تلك التى أسموها بقصص العقوبات، لأمر في أنفسهم وأهملوا قصصا أخرى كثيرة في القرآن، لها الأهمية نفسها من حيث منظومة التربية القرآنية والمنهج القرآنى. فعلى سبيل المثال = قصة أصحاب الكهف =، و = قصة إبراهيم =، و = قصة يوسف =، وقصة = موسى والخضر =، و = قارون =، و = قصة سليمان والهدهد =، وغيرها، تلك القصص تتنوع في أسلوبها ومغزاها الخلقى والقيمى.
ثالثا: الحكمة = الحكمة = لفظة قرآنية أخرى، سمى الله بها كتابه الكريم لما تضمنه من حكم، ولأنه
فى ذاته محكم، لا اختلاف فيه يخل بنظامه ولا تناقض يعتريه فيذهب بجماله وجلاله.