موجبًا للعن مهما صغر مادام أن صاحبه يقصد كما قال تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا} (الأحزاب:57) فجمع سبحانه بين نفسه وبين رسوله أيضًا في آية واحدة ليبين أن الأذى الواقع على رسوله يقع على الله أيضًا.
وجعل إساءة الأدب ولو دون قصد بحضرة الرسول محبطة كما قال تعالي: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} (الحجرات:2) فقوله تعالى: {وأنتم لا تشعرون} دليل على أن من لم يقصد هذه الإساءة يحبط عمله، وأما من رفع صوته على النبي وبحضرته يقصد الإساءة إليه فلا شك أنه كافر ملعون كما مر في آية الأحزاب الآنفة، فكيف بعد ذلك الذين يتهمون الرسول بشتى التهم ويعادون سنته ويستهزئون بهديه ومع ذلك يزعمون أنهم من المسلمين؟
(2) حق الربانيين والعلماء:
ويأتي بعد حق الرسول صلى الله عليه وسلم حقوق الربانيين من أهل العلم والفضل والذين وفقهم الله لتعليم الناس وتربيتهم وتوجيههم والأخذ بأيديهم إلى الهدى والنور، وهؤلاء حقوقهم في المحبة والطاعة والموالاة والنصرة ورد الجميل بعد حقوق النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إذ هم السبب المباشر في الهداية والإرشاد وشكرهم واجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يشكر الله من لا يشكر الناس] (أبو داود والترمذي وأحمد) ولاشك أن أعظم الناس معروفًا من هداك الله على يديه وأرشدك به ولو إلى قليل من الخير، فكيف إذا كنت ضالًا فهداك الله بواسطته، وكافرًا فأسلمت على يديه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: [من صنع لكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تظنوا أنكم قد كافأتموه] (أبو داود والنسائي وأحمد) ومعلوم أن مكافأة من هداك إلى الدين مستحيلة لأن الخير الذي ساقه الله لك على يديه لا تستطيع أن ترد مثله إليه فقد هداك الرباني إلى الجنة بتوفيق الله وإعانته فهل تستطيع أن تكافئه بمثل الجنة؟ لا، إلا أن تدعو له بأن يحقق الله له من الخير مثل ما أسدى إليك.
وقد جمع الله ولاية نفسه والرسول والمؤمنين في آية واحدة كما قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (المائدة:55) أي هؤلاء هم من يجب علينا أن نوالهم الله ورسوله والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو متصفون بالركوع الدائم كما وصف الله ورسوله معه بقوله {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا} (الفتح:29) .
(3) حق الوالدين والأرحام:
ثم يأتي بعد حق النبي صلى الله عليه وسلم وحق المربي والمعلم للخير حق الوالدين والأرحام، وأولى الوالدين الأم ثم الأب كما جاء في الصحيحين"أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: [أمك] قال: ثم من؟ قال: [أمك] قال: ثم من؟ قال: [أمك] قال: ثم من؟ قال: [أبوك] " (متفق عليه) ، وقد أمر الله بالبر بهما في آيات كثيرة من كتابه كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهم أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا *واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (الإسراء:23 - 24) ، والبر بالوالدين يستمر ويجب حتى مع كفرهما ودعوتهما ابنهما إلى الكفر والشرك والمقصود بالبر هنا المصاحبة بالمعروف كالقول اللين وعدم التعنيف وعدم التأفف وعدم الزجر والإحسان إليهما بالمال والإعانة والخدمة كل ذلك حاشا الطاعة في الكفر والشرك كما قال تعالى في سورة لقمان {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير *وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إلي مرجعكم فأنبؤكم بما كنتم تعملون} (لقمان:14 - 15) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)