فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 15431 من 67893

يقول ابن الجوزي في (الحث على حفظ العلم) :"الطريق إلى إحكامه كثرة الإعادة. والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. وكان أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) يعيد الدرس مائة مرة، وكان إلكيا الهراسي (504هـ) يعيد سبعين مرة. وقال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلي حتى يعاد خمسين مرة. وحكى لنا الحسن أن فقيها أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد - والله - حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك".

التاسع: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة:

إذ الحافظة مهما كانت قوية لابد أن تسهو، فالنسيان جبلة الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول.

قيل للأصمعي:"كيف حفظت ونسي أصحابك؟! قال: درست وتركوا".

وقال علقمة النخعي:"أطيلوا كر الحديث لا يدرس"، أي: ليكلا يبلى وينسى.

وعلى طالب العلم أن يجعل له جدولًا معينًا لمراجعة محفوظة؛ فمثلًا: يجعل في نهاية كل أسبوع يومًا لمراجعة ما حفظة في ذلك الأسبوع، وفي نهاية كل شهر يومًا أو يومين لمراجعة محفوظه خلال الشهر كله، وفي نهاية السنة أسبوعًا أو أسبوعين لمراجعة محفوظه خلال السنة جميعها …. وهكذا.

العاشر: المذاكرة:

والمذاكرة اصطلاح يستخدمه المحدثون، يعنون بها مطارحات علمية ومساجلات حديثية، يعرض فيها الجلساء من حفاظ الحديث وطلبته لذكر فوائد الأحاديث وغرائب الأسانيد وخفي التعليلات، يسأل بعضهم بعضًا عن ذلك، ويفيد الواحد منهم الآخر ما غاب عنه. وقد كانت المذاكرة هذه من أبرز سمات المحدثين في عصوره الأولى (مثل الرحلة في طلب الحديث) ، ولها آدابها وشروطها المنصوص عليها وفوائدها، وأخبارها المروية فيها .

وللمذاكرة مع الأقران وغيرهم - على المعنى السابق - فائدة عظيمة في تثبيت الحفظ، من جهة أنه تعهد للمحفوظ بتكريره ومراجعته خلال المذاكرة، وتذكير لما نسي منه، ودون إملال أو إضجار، بل في جو من النشاط والتنافس العلمي البناء.

ولذلك قال عبدالله بن بريدة:"قال لي علي بن أب طالب - رضي الله عنه: تزاوروا، وتذاكروا هذا الحديث، فإنكم أن لم تفعلوا يدرس علمكم"، أي: يبلى ويخلق.

وقال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -"تحدثوا، فإن الحديث يهيج الحديث".

وقال جماعة من السلف عبارة أصبحت شعارًا للمذاكرة، وهي قولهم:"إحياء الحديث مذاكرته".

ومن فوائد المذاكرة أيضًا: أنها سبب كبير وداع عظيم للتنافس المحمود

بين طلبة العلم. والتنافس في الخير هو الأمل الجاهد لبلوغ الغايات العظام، ولولاه لما سعى للعلياء ماجد، ولما سما للرفعة طامح.

ولشدة التنافس أثناء المذاكرة بين المحدثين كانت من لذائذ علم الحديث ومن متعه الجليلة؛ حتى قال الوزير ابن العميد:"ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، (ثم ذكر تلك المذاكرة، التي غلب فيها الطبراني أبا بكر الجعابي، ثم قال:"فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني"."

وقال علي بن المديني:"ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق؛ من شدة شهوتهم له. وتذاكر وكيع وعبد الرحمن ليلة في المسجد الحرام، فلم يزالا حتى أذن المؤذن أذان الصبح".

وقال عبد الله بن المبارك:

ما لذتي إلا رواية مسندات قيدت بفصاحة الألفاظ

ومجالس فيها تحل سكينةومذاكرات معاشر الحفاظ

نالوا الفضيلة والكرامة والنهىمن ربهم برعاية وحفاظ

لاظوا برب العرش لما أيقنواأن الجنان لعصبة لواظ

ومن فوائد المذاكرة أيضًا ومن آدابها: إفادة طلبة العلم بعضهم بعضا، وفي ذلك استعجال لأجر وثواب التعليم، قبل بلوغ الدرجة التي يحق فيها لطالب العلم جلوس مجالس المعلمين. وما أدرى طالب العلم؟ لعله يموت قبل أن يصل إلى أن تتحلق حوله الطلبة!!.

يقول عبدالله بن المبارك:"إن أول منفعة الحديث: أن يفيد بعضكم بعضًا".

ويقول الإمام مالك:"بركة الحديث: إفادة بعضهم بعضًا".

ويقول سفيان الثوري:"يا معشر الشباب، تعجلوا بركة هذا العلم، فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضًا".

هذه هي أهم وسائل حفظ العلم، وأظهر أسباب تثبيته وعدم نسيانه.

ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أن للحفظ طريقتين .... يتبع ان شاء الله تعالى

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت