وحق تقاة الله عز وجل: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى (1) ، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه الله بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمثاله، ولما علم الله جل وعز ذلك خفف * عن عباده رحمة لهم فقال تبارك وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} (2) لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك؛ لعظم حقه، وإنما أراد جل جلاله أن يعلم خلقه قدرته، ثم يأتيهم برحمته، فنسخها وهون على خلقه بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (3) إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق (4) .
(1) هذا يروى عن: عن ابن مسعود، وعمرو بن ميمون، وطاوس، والحسن، والسدي، وقتادة، والربيع بن خيثم. تفسير عبد الرزاق: 1/ 129، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: 260، تفسير ابن أبي حاتم: 3/ 722، الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/ 128، والحاكم في المستدرك: 2/ 323 التفسير سورة آل عمران.
* لوحة: 73/ب.
(2) [سورة التغابن: الآية 16]
(3) [سورة التغابن: الآية 16]
(4) ممن روي عنه ان هذه الآية منسوخة: قتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد. =
تفسير عبد الرزاق: 1/ 128، تفسير الطبري: 4/ 29، تفسير ابن أبي حاتم: 3/ 722، الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/ 129، نواسخ القرآن: 291.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن نجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط ولو على آبائكم وأبنائكم. وكذلك روي عن طاوس نحو هذا. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: 260، تفسير الطبري: 4/ 29، تفسير ابن أبي حاتم: 3/ 722، الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/ 130، نواسخ القرآن: 293.
وهذا هو الصحيح، قال ابن الجوزي: وهو الصحيح؛ لأن التقوى هي اجتناب ما نهى الله عنه، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة، كما قال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فالآيتان متوافقتان، والتقدير: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ، وقد رد عليهم وذلك قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وإنما قوله: {حَقَّ تُقَاتِهِ} ... كقوله: {حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] الحق ها هنا بمعنى: الحقيقة، ثم إن هفوة المذنب لا تنافي أن يكون مكلفًا للتحفظ، وإنما شرع الاستغفار والتوبة بوقوع الهفوات. [نواسخ القرآن: 293] .
وممن رجح كون هذه الآية محكمة: النحاس في الناسخ والمنسوخ: 2/ 129، وابن عطية في تفسيره: 3/ 181، والقرطبي في تفسيره: 4/ 157، والزرقاني في مناهل العرفان: 522.