وقال الشافعي - رضي الله عنه: ألا تعولوا ألا يكثر من تعولون. وقد غلط الشافعي في التفسير واللغة، وما يدل عليه الكلام، ثم جعل ذلك أصلًا من كتاب الله جل وعز فيما يجب من نفقة المرأة على زوجها (1) . والعول مشهور في اللغة (2) ، وقد ذكرنا ما ذكرنا فيه من التفسير. وقال أبو عبيدة: عول الفرائض إنما أخذ من هذا، وإنما قيل: عالت الفريضة أي مالت عن وجهها لما حدث فيها (3) . فذهب عن الشافعي علم اللغة (4) ،
(1) الأم: 5/ 106، سنن البيهقي: 7/ 465 كتاب النفقات باب وجوب النفقة للزوجة.
(2) العول: الميل في الحكم إلى الجور، عال يعول عولًا: جار ومال عن الحق، والعول أيضًا: النقصان، وعال الميزان عولًا فهو عائل: مال. [مجاز القرآن: 1/ 117، معاني القرآن للنحاس: 2/ 16، تهذيب اللغة: 3/ 195، مفردات الراغب: 366، لسان العرب: 11/ 481] .
(3) لم أقف على كلام أبي عبيدة هذا، وعول الفرائض مأخوذ من العول، قال أبو عبيد الهروي في معنى هذه الآية: يقال معناه: لا تميلوا أو لا تجوروا، والعول أيضًا: عول الفريضة، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقصان على أهل الفرائض، وأظنه مأخوذًا من الميل، وذلك أن الفريضة إذا عالت فهي تميل على أهل الفريضة جميعًا فتنقصهم.
[غريب الحديث: 2/ 395، وانظر تفسير الطبري: 4/ 239، وتهذيب اللغة: 3/ 195] .
(4) وجه الاعتراض على الشافعي من جهة اللغة: أنه يقال: عال يعول: إذا جار، وعال يعيل: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله، وهوسبحانه قال: تعولوا، ولم يقل: تعيلوا. معاني القرآن للنحاس: 2/ 15.
وقد أجاب عن هذا بعض أهل العلم، قال الأزهري: وإلى هذا القول ذهب الشافعي، والمعروف في كلام العرب: عال الرجل يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، قال الكسائي: عال الرجل يعول إذا افتقر، وأعال الرجل إذا كثر عياله، قال الكسائي: ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهري: وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي في تفسير الآية؛ لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه، وقول الشافعي نفسه حجة؛ لأنه عربي اللسان فصيح اللهجة، قال الأزهري: وقد اعترض عليه بعض المتحذلقين فخطأه، وقد عجل ولم يتثبت فيما قال، ولا يجوز للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لا يعرفه من لغات العرب.
[انظرتهذيب اللغة: 3/ 194، 195] .
وقال الزمخشري مبينًا مقصد الشافعي: والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر: {أَلَّا تَعُولُوا} ألآ تكثر عيالكم فوجهه: أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم: إذا أنفق عليهم؛ لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع، وكسب الحلال والرزق الطيب،
وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وألا يظن به تحريف تعيلوا الى تعولوا، وكفى بكتابنا المترجم (بكتاب شافي العي من كلام الشافعي) شاهدًا بأنه كان أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات الكشاف، وقرأ طاوس: (أن لا تعيلوا) من أعال الرجل إذا كثر عياله، وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي قصده. [انظر الكشاف: 1/ 499، 500] .
وممن أجاب عما اعترض به على الشافعي أيضًا: الرازي في تفسيره: 9/ 145، وأبو حيان في البحر: 3/ 509.