من الراجح أن الإمام المهدي عليه السلام تلقى دروسه الأولية في الخط والحساب، وما شاء الله من القرآن والتوحيد على أخيه الهادي، وعلى يد أخته الشريفة دهما كقاعدة أهل البيت عليهم السلام في عصورهم الأولى في تعليم أولادهم الأوليات من العلم، وتلقينهم قبل ذلك كلمات التوحيد اقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث كان إذا أفصح الغلام من بني عبدالمطلب علمه أن يقول: (الحمدلله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدّره تقديرا) ثم يدفعونهم بعد ذلك إلى من يرتضونه دينًا وخلقًا وعلمًا لتعليم أولادهم حتى بلوغ الذروات في العلم والأدب.
ونحن نلاحظ من سيرة الإمام المهدي أنه بدأ في تلقي العلوم الإسلامية بداية تستدعي الإنتباه؛ إذ كانت علىخلاف الشائع والمعروف بين أقرانه وأمثاله ؛ إذ كان الشائع بينهم والمعروف لديهم أن يبتدئ الطالب في تعلم العلوم بدارسة الفقه، والأصول، وقواعد اللغة العربية جامعين بين هذه الفنون الثلاثة من البداية حتى يبلغ الطالب الدرجة اللائقة به لدراسة التفسير والحديث وغير ذلك؛ حتى يأتي على معظم العلوم الإسلامية.
ولكن الإمام المهدي لم يبدأ هكذا، بل تخصص من البداية في دراسة علوم اللغة العربية لمدة سبع سنوات، أصبح بعدها المرجع الأول والأخير في علوم اللغة العربية، وهذه البداية كما دلت على مدى تفوقه، تدل على ذكاء وطموح عقلي عظيمين، وتدل في الوقت نفسه على نفس عازفة عن الدنيا ووسائل العيش الرخيص فيها، كما تدل على أنه قد أراد لنفسه أن يعيش في القمة ليتمكن بجدارة رائعة وخبرة فائقة من هداية الضالين وإرشاد الحائرين، وهكذا كان بعد أن استقصى كل العلوم الإسلامية الموجودة في عصره وبلغ الذورة فيها.