دخل الإمام المهدي السجن في عام794ه ، وعمره إذ ذاك ثلاثون عامًا على الصحيح، دخلة الشباب ونور العلم، ويقين المؤمنين، لذلك فلم يمكث فيه إلا قليلًا حتى تحول السجن إلى روضة من رياض العلم، وأصبحت زنزاناته غرفًا وفصولًا يتدارس فيها الحكمة، ويتلى فيها بخشوع الصابرين كتاب الله، وصَلُح كل أهل السجن، وتتلمذوا على يده، وتعلموا منه الكثير من مسائل الدين.
في هذا السجن ألّف الإمام (متن الأزهار، وشرحه بالغيث المدرار) وقد أودعه زهور المذهب الهدوي الزيدي في الفروع، وقصد تقريب ذلك للمقلدين، وليس من البعيد أن يكون من أهم الحوافز له على تأليفه هو إفادة المسجونين وأمثالهم بثمار المسائل التي لم يصل إليها العلماء إلا بعد جهد الطلب ومشقة البحث.
والكتاب لشموله وتحقيقه وبلاغة أسلوبه وحسن تبويبه؛ يُعد من آيات الإمام التي اختصه الله بها ومنحه إياها لنفع المؤمنين، وانتشال الجاهلين من ظلم الحيرة إلى نور المعرفة والهدى، ولقد نقم العلماء على المنصور لحبس الإمام المهدي عليه السلام ونصحه الكثير بوجوب تخلية سبيله، وممن كتب له في ذلك السيد العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رحمه الله، واستعطفه بقصيدة رائعة منها:
فقلت له فداك أبي وأمي .... تلطف بالقرابة والرحامة
فإن السيد المهدي منكم .... بمنزلة تحق له الفخامة
ألم يك جدك المهدي خالًا .... له وكفى بذلك من رحامة
نصيحة وامق خدنٍ شفيق .... محبٍ ليس يحتاج القسامة
فإني والحديث لذو شجون .... وليس يليق في الدين الحشامة
أخاف إذا استمر القيد فيه .... تجيء مقيدًا يوم القيامة
ولا تسمع إلى من قال فيه .... بترك القيد واطرح الملامة