نلاحظ من سيرة الإمام المهدي عليه السلام أنه بعد أن خرج من سجن صنعاء جنّد نفسه للجهاد والجلاد، ولكن جهاده وجلاده في هذه الفترة لم يكن مع المنصور علي بن صلاح ولا مع غيره، وإنما كان مع الجهل والبدع والضلالات، جاهد هذا الثالوث الرهيب بلسانه وبيانه وسلوكه، وخرج بنفسه من أجل ذلك إلى القرية، وتجول في السهول حيثما تسكن القبائل وتأوي إليها النسور القشاعم من أحفاد الأنصار وأشبال أحفاد الأنصار، وفيها حمل راية الجهاد، ونادى بوجوب الاجتهاد، وبحرية وقدسية الفكر والرأي للانتقاد الحر، والإستنباط الحر من مصادر الإسلام الأولى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستفادة من الثروات الفكرية التي خلفها الأئمة الهادون والعلماء المجتهدون في كل أصقاع الأرض، ومن أجل ذلك ألف المؤلفات الشاملة، وحرر الرسالات الصادعة، وبدد الشبهات بالحجج النيرات، ولذا ظهرت بعض مؤلفاته في هذه الفترة على النحو التالي:
في (ثلا) وبعد خروجه من السجن ألَّف كتاب (البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) وفيه تظهر آرائه وأنظاره الخاصة في كل المسائل التي اشتمل عليها الكتاب.
وفي سنة 816ه سافر من (ثلا) إلى بلاد مسور، وفيه مكث ما شاء الله، وبدأ في كتابه (غايات الأفكار) وهو شرح لما تضمنه كتاب (البحر الزخار) من العلوم.
ثم رجع إلى مسور لزيارة أولاده، وفي هذه الفترة ألَّف (القمر النوار) ، ثم نزل (الدقائق) من بلاد لاعة وفيها ألَّف (حياة القلوب) .
وفي سنة 836ه توفي الإمام الهادي علي بن المؤيد، وأوصى بتسليم ما كان بيده من الحصون إلى الإمام المهدي صاحب الترجمة، فأمر ابنه الحسن بن المؤيد بتعهدها وافتقادها، أما الإمام نفسه فقد رحل إلى ظفير حجة، حيث اتخذه وطنًا له، وذلك في سنة 838ه ، وفي سنة 840ه توفاه الله شهيدًا بالطاعون، وقبره بالظفير مشهور رحمه الله، وجزاه خيرًا، وألحقنا به صالحين.