سائق الأظعان يطوي البيد طي ... منعما عرج على كثبان طي
فقال يا شرف الدين لمن هذه القصيدة فلم اسمع بمثلها. وهذا نفس محب فقال
هذه من نظم الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض قال: وفي أي مكان مقامه؟ قال: كان مجاورا بالحجاز، وفي هذا الزمان حضر إلى القاهرة، وهو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر. فقال السلطان: يا شرف الدين خذ منا ألف دينار وتوجه بها إليه وقل له عنا ولدك محمد يسلم عليك، ويسألك أن تقبل منه هذه برسم الفقراء الواردين عليك، فإذا قبلها اسأله الحضور لدينا لنأخذ حظنا من بركته. فقال: مولانا السلطان يعفيني من ذلك فإنه لا يأخذ الذهب ولا يحضر، ولا أقدر بعد ذلك أن أدخل عليه حياء منه، فقال السلطان لا بدّ من ذلك. فأخذها القاضي شرف الدين وقصد مكان ابن الفارض، فوجده واقفا على الباب ينتظره، فابتدأه بالكلام، وقال: يا شرف الدين ما لك ولذكري في مجلس السلطان؟! رد الذهب إليه ولا ترجع تجيئني إلى سنة فرجع، وقال للسلطان: وددت ان أفارق الدنيا ولا أفارق رؤية الشيخ سنة فقال السلطان: مثل هذا الشيخ يكون في زماني ولا أزوره! لا بدّ لي من زيارته ورؤيته. فنزل السلطان في الليل إلى المدينة متخفيا مع عدد من كبار حاشيته ودخل الجامع بعد صلاة العشاء، فلما أحس ابن الفارض بهم خرج من باب آخر بظاهر الجامع. وسافر إلى الاسكندرية، وأقام فيها مدة. فغضب السلطان منه ورد طلبه بعد مدة ببناء ضريح عند قبر امه بتربة الامام الشافعي ثم استأذنه ان يبني مزارا لنفسه فلم يأذن له [1] .
وكأني بالشيخ قد استلهم قول القائل: «إذا رأيت العلماء على باب الزعماء فبئس العلماء وبئس الزعماء وإذا رأيت الزعماء على باب العلماء فنعم العلماء ونعم الزعماء» .
وعن منزلته في عصره يقول حفيده ابن بنته، الشيخ علي رحمهما اللََّه:
كان إذا مشى في المدينة، تزدحم الناس عليه يلتمسون منه البركة والدعاء، ويقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحدا من ذلك، بل يصافحه. وكانت ثيابه حسنة، ورائحته طيبة، وكان إذا حضر في مجلس، يظهر على ذلك المجلس سكون وهيبة.
وسكينة ووقار. ورأيت جماعة من مشايخ الفقهاء والفقراء، وأكابر الدولة من الأمراء
(1) شرح ديوان ابن الفارض، الشيخ حسن البوريني.