ك أكثر أشعاره كانت في الحجاز والحنين إليها، أما مصر فكانت لا تمر في شعره إلا لماما، ولعل أبرز موضع يذكر فيه مصر أثناء مناجاته لأهل نجد قائلا:
مذ غبتم عن ناظري لي أنة ... ملأت نواحي أرض مصر نواحا
عدا عن الأبيات التي يذكر فيها جبل الطور في سيناء حيث كلم موسى ربه وهي كثيرة.
نشير أخيرا إلى مكانة الشيخ عمر ابن الفارض الأدبية والفنية فهو بالرغم من اعتبار مؤرخي الأدب أنه ليس من فحول الشعراء، فقد ذاع صيته وانتشرت اشعاره على ألسنة الناس، بل أحيا كثير من مشايخ الصوفية حلقات الذكر على اسمه فكان الناس يجتمعون في بيت الصواف، في حي الحسين بمصر ليسمعوا مشايخ الذكر وهم يتغنون بأشعاره ولا سيما الشيخ الحويحي حيث ينشد من شعره:
ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
عذب بما شئت غير البعد عنك تجد ... أوفى محب بما يرضيك مبتهج
وخذ بقية ما أبقيت من رمق ... لا خير في الحب أن أبقى على المهج
ومما يذكر عنه أيضا أن السلطان محمد الكامل كان يحب أهل العلم، ويحاضرهم في مجلس مختص بهم وكان يميل إلى فن الأدب فتذاكروا يوما في أصعب القوافي، فقال السلطان: من أصعبها الياء الساكنة، فمن كان منكم يحفظ شيئا منها فليذكره فتذاكروا في ذلك فلم يتجاوز أحد منهم عشرة أبيات. فقال السلطان أنا أحفظ منها خمسين بيتا قصيدة واحدة، وذكرها. فاستحسن الجماعة ذلك منه فقال القاضي شرف الدين كاتب سر السلطان أنا أحفظ منها مائة وخمسين بيتا قصيدة واحدة، فقال السلطان: يا شرف الدين جمعت في خزائني دواوين الشعراء في الجاهلية والإسلام وأنا أحب هذه القافية، فلم أجد فيها أكثر من الذي ذكرته لكم فأنشدني هذه الأبيات فأنشده القاضي شرف الدين قصيدة ابن الفارض اليائية، والتي مطلعها:
سائق الأظعان يطوي البيد طي ... منعما عرج على كثبان طي
فقال يا شرف الدين لمن هذه القصيدة فلم اسمع بمثلها. وهذا نفس محب فقال
هذه من نظم الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض قال: وفي أي مكان مقامه؟ قال: كان مجاورا بالحجاز، وفي هذا الزمان حضر إلى القاهرة، وهو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر. فقال السلطان: يا شرف الدين خذ منا ألف دينار وتوجه بها إليه وقل له عنا ولدك محمد يسلم عليك، ويسألك أن تقبل منه هذه برسم الفقراء الواردين عليك، فإذا قبلها اسأله الحضور لدينا لنأخذ حظنا من بركته. فقال: مولانا السلطان يعفيني من ذلك فإنه لا يأخذ الذهب ولا يحضر، ولا أقدر بعد ذلك أن أدخل عليه حياء منه، فقال السلطان لا بدّ من ذلك. فأخذها القاضي شرف الدين وقصد مكان ابن الفارض، فوجده واقفا على الباب ينتظره، فابتدأه بالكلام، وقال: يا شرف الدين ما لك ولذكري في مجلس السلطان؟! رد الذهب إليه ولا ترجع تجيئني إلى سنة فرجع، وقال للسلطان: وددت ان أفارق الدنيا ولا أفارق رؤية الشيخ سنة فقال السلطان: مثل هذا الشيخ يكون في زماني ولا أزوره! لا بدّ لي من زيارته ورؤيته. فنزل السلطان في الليل إلى المدينة متخفيا مع عدد من كبار حاشيته ودخل الجامع بعد صلاة العشاء، فلما أحس ابن الفارض بهم خرج من باب آخر بظاهر الجامع. وسافر إلى الاسكندرية، وأقام فيها مدة. فغضب السلطان منه ورد طلبه بعد مدة ببناء ضريح عند قبر امه بتربة الامام الشافعي ثم استأذنه ان يبني مزارا لنفسه فلم يأذن له (1) .