الصفحة 4 من 223

العجم مثل حسن شكله وكان عليه نور وخفر [1] ، وجلالة وهيبة، ومن فهم معاني كلامه، دلته معرفته على مقامه، ومن اختصه اللََّه بمحبته وأنسه، يعرف المحب بين أهل المحبة من جنسه، وقد جعل اللََّه المحبين خزائن أسراره المصونة، ومعادن قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [2] .

فشاعرنا وشيخنا يدين بالأصل إلى حماة في بلاد الشام ولهذا الأصل أهمية في طبائع الشاعر فأهل الشام لهم في الأدب صولات وجولات وطول باع. يشغلهم الجمال ويتفننون في إظهار روائع الحسن وصور الجمال ونزعتهم إلى الغزل لا مثيل لها بين شعراء العراق ومصر، وفي ذلك يقول الثعالبي «أبو منصور عبد الملك» في يتيمة الدهر «السبب في تبريز القوم [3] قديما وحديثا على من سواهم في الشعر:

قربهم من خطط العرب ولا سيما أهل الحجاز وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس والنبط وما منهم إلا أديب جواد، يحب الشعر وينتقده، ويثيب على الجيد فيجزل ويفصل. انبعثت قرائحهم في الإجادة، فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا» [4] .

وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: «ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حدّ لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي، وغصن الشباب رطيب، ورداء الحداثة قشيب» [5] .

وأما حنينه إلى الحجاز فيعود لوجود المقامات والحضرات

(1) الخفر: الحياء والبهجة.

(2) سورة المائدة الآية 57.

(3) القوم: شعراء الشام.

(4) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. ابو منصور الثعالبي دار الكتب العلمية ص 34 الجزء الأول.

(5) المصدر نفسه ص 3635.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت