الصفحة 5 من 223

المحمدية في تلك الربوع وكيف لا يصبو إليها وقد تعلقت نفسه بهذه المقامات حتى كاد لسانه لا يتلفظ إلّا بها.

وقد كان يشتاق دائما للوصول إلى مكة وشعابها. وإلى الحجاز ورحابها لكن اللََّه لم يفتح عليه إلا بعد وفاة والده في مصر. وحصل ذلك عند دخوله المدرسة السيوفية بالقاهرة. إذ وجد شيخا بقالا على باب المدرسة، يتوضأ بوضوء غير مرتب. فقال له: يا شيخ أنت في هذا السن، على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين وتتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي؟. فنظر إليه وقال: يا عمر [1] ، أنت ما يفتح عليك في مصر، إنّما يفتح عليك بالحجاز، في مكة، شرفها اللََّه تعالى، فاقصدها، فقد آن لك وقت الفتح. فعلم أن الرجل من أولياء اللََّه، وأنه يتستر بالمعيشة وإظهار الجهل بلا ترتيب الوضوء. فجلس بين يديه وقال له: يا سيدي وأين أنا وأين مكة؟ لا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج فنظر الشيخ إليه وأشار بيده وقال: هذه مكة أمامك. يقول ابن الفارض: فنظرت معه فرأيت مكة شرفها اللََّه فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت، وجاءني الفتح حين دخلتها فترادف [2]

ولم ينقطع وإلى ذلك يشير في شعره:

يا سميري روّح بمكة روحي ... شاديا إن رغبت في إسعادي

كان فيها أنسي ومعراج قدسي ... ومقامي المقام، والفتح بادي

ثم يتابع الشيخ عمر ابن الفارض فيقول:

ثم شرعت في السياحة في أودية مكة وجبالها وكنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا ونهارا وإلى ذلك يقول في تائيته:

فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا [3] ... وبالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي

(1) عمر: الاسم الأول لشيخنا ابن الفارض.

(2) ترادف: جاء تكرارا.

(3) الفلا: الفلاة اي الأرض الواسعة يشير بها إلى بلاد الحجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت