الصفحة 6 من 223

ثم يقول: وأقمت بواد كان بينه وبين مكة عشرة أيام للراكب المجد، وكنت آتي منه كل يوم وليلة، وأصلي في الحرم الشريف الصلوات الخمس، ومعي سبع عظيم الخلقة يتبعني في ذهابي وإيابي، وينخ لي كما ينخ الجمل، ويقول: يا سيدي اركب فما ركبته قط [1] .

قضى شيخنا ابن الفارض في مكة وشعابها خمس عشرة سنة، سمع بعدها الشيخ البقال الذي لقيه على باب المدرسة السيوفية سمعه يقول: يا عمر تعالى إلى القاهرة احضر وفاتي وصلّ علي، فأتيته مسرعا، والحديث ما زال لابن الفارض فوجدته قد احتضر فسلمت عليه، وسلم عليّ. وناولني دنانير ذهب، وقال: «جهزني بهذه، وافعل كذا وكذا، وأعط حملة نعشي الى القرافة [2] » . كل واحد منهم دينارا واطرحني على الأرض في هذه البقعة، وأشار بيده إليها، فلم تبرح أمامي أنظر إليها وهي بالقرافة تحت الجبل المعروف بالعارض بالقرب من مراكع موسى بسفح الجبل المقطم عند مجرى السيل، تحت المسجد المبارك المعروف بالعارض قال: وانتظر قدوم رجل يهبط عليك من الجبل، فصلّ أنت وهو عليّ، وانتظر ما يفعل الله في أمري.

قال: أي الشيخ عمر فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطائر المسرع، ولم أره يمشي على رجليه، فعرفته بشخصه، كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق، فقال يا عمر:

تقدم فصلّ بنا على الشيخ، فتقدمت وصليت إماما ورأيت طيورا بيضا وخضرا، صفوفا بين السماء والأرض، يصلون معنا، ورأيت طائرا منهم أخضر عظيما قد هبط عند رجليه، وابتلعه، وارتفع إليهم، وطاروا جميعا ولهم زجل [3] فسألته عن ذلك فقال:

«يا عمر، أما سمعت أن أرواح الشهداء في أجواف طيور بيض تسرح في الجنة حيث شاءت، هم شهداء السيوف، أما شهداء المحبة فأجسادهم وأرواحهم في أجواف طيور خضر وهذا الشيخ منهم يا عمر» فأوصى ابن الفارض سبطه أن يدفنه في تلك البقعة المباركة وضريحه معروف فيها.

(1) شرح ديوان ابن الفارض. الشيخ حسن البوريني دار التراث بيروت ص 6.

(2) القرافة: تربة معروفة بمصر.

(3) الزجل: الصوت الحسن، والتطريب ورفع الصوت، لسان العرب، ابن منظور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت