بين الناس إلى الجامع الأزهر، وهو عريان مكشوف الرأس، وفي واسطه لباسه، وأقام في هذه السكرة أياما، ملقى على ظهره، مسجى كالميت، فلما أفاق، جاء الحراس إليه ومعهم ثيابه، فوضعوها بين يديه فلم يأخذها، وبذل الناس لهم فيها ثمنا كبيرا. فمنهم من باع، ومنهم من امتنع عن بيع نصيبه، وخلاه عنده تبركا به [1] .
وروي عنه أيضا انه كان ماشيا في الشارع الأعظم، وإذا بنائحة تنوح، وتندب على ميتة في طبقة والنساء يجاوبنها وهي تقول:
ستي متي متي حقا ... أي واللََّه، حقا حقا
فلما سمعها ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة، وخرّ مغشيا عليه، فلما أفاق صار يقول ويردد:
نفسي متي متي حقا ... أي والله حقا حقا
وفي أخباره أيضا أنه كان يقيم في شهر رمضان بالحرم لا يخرج إلى السياحة، ويطوي ويحيي ليله وفي ذلك يقول:
في هواكم رمضان عمره ... ينقضي ما بين أحياء وطي
فشد وسط ولده محمد وكذلك فعل المجاورون بالحرم المكي، وهم في طلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك. فخرج الولد ليلا من الحرم لقضاء حاجة فرأى البيت والحرم ودور مكة وجبالها ساجدين لله تعالى، ورأى أنوارا عظيمة بين السماء والأرض، فجاء مهرولا إلى والده يخبره بذلك. فصرخ أبوه وقال للمجاورين الواقفين في طلب تلك الليلة: هذا ولدي قد رأى ليلة القدر. فصرخ الناس معه إلى أن علا ضجيجهم بالبكاء والدعاء والصلاة والطواف الى الصباح وخرج ابن الفارض هائما في أودية مكة، ولم يدخل الحرم الى يوم العيد في تلك السنة [2] .
وما دمنا نعالج شطحات وصوفية ابن الفارض التي ظهرت في شعره ولا سيما
(1) البحر الفائض في شرح شعر ابن الفارض. شرح حسن البوريني.
(2) المصدر نفسه.