فإنني بفضل الله وحسن توفيقه ومحض فضله لما أتممت الكلام على القواعد الفقهية في تلقيح الأفهام العلية، وعلى القواعد الأصولية في تحرير القواعد ومجمع الفرائد، اشتاقت النفس إلى ضبط الأبواب الفقهية بضوابط تكون معينة لي ولمن شاء الله من عباده على معرفة أحكام فروعها وجزئياتها، فإن هذه الأحكام التي ينص عليها الفقهاء في كتبهم إنما ترجع إلى ضوابط وقواعد، وبضبطها يضبط الفقه فمن رام الوصول إلى أعلى المراتب في الشريعة فعليه بهذا الطريق الذي والله رأيت بركته، مع أنني أرى من أهل زماني زهدًا في الإطلاع على ما كتبته وحق لهم ذلك فإنه لا يفيد وإنما هي إشارات وعبارات هم إن شاء الله أغنياء عنها وإني يعلم الله أني أحب للجميع ما أحبه لنفسي وأرجو الله تعالى أن يكون فيمن يأتي بعدي من يحرص على ذلك فالوصية لمن انتفع بشيء مما كتبته أن يدعو لمقيده بالمغفرة والجنة، فإنه العاجز الفقير الضعيف الذي كثر زلله وعظم خلله، وإني أوصيك أيها المبارك أن لا تحقر الاستفادة ممن هو دونك بمراتب فإن هذا نوع كبر مذهب لبركة العلم وموجب للخسارة والله يؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء، واحذر يا طالب العلم من اللهث وراء المال والمنصب فإنه باب شر وفتنة على الجميع وخصوصًا أهل العلم، وإياك وطرق أبواب الملوك والأمراء فقد ذل علم الشريعة عندهم بدريهمات تحصلها سحتًا أو بكرسي يلتهب تحتك نارًا، فأزهد فيما عندهم يفتقرون لما عندك، وأفتقر لما عندهم يزهدون في علمك وتذهب هيبتك من قلوبهم ويفسد نظام العالم، فإن العالم بخير ما عظم العلماء، ورفع قدرهم وحمي ضبابهم، فهم مصابيح الدجى وأنوار الظلام وأعلام الهدى، فما أحسن أثرهم على الناس، فعظم العلم الذي في قلبك يعظمك الله، وإياك أن تبتذله عند أمير أو ملك كائنًا من كان فالعلماء هم رؤوس الناس وكل سيموت ويواجه عمله، فلا نؤتى من قبلك أيها المبارك ولا يخدعنك زخرف الدنيا وبهرجها فهي