وهذا هو الضابط العام في باب الآنية، فكل إناء من أي جنس كان على أي شكل كان فهو حلال مباح في سائر الاستعمالات إلا الآنية التي ثبت الدليل بتحريمها، فتخرج عن هذا الأصل بعينها وحيث فقد الدليل فالبقاء على الأصل هو المتعين، فمن حرم شيئًا من الآنية فإنه يطالب بالدليل فإن جاء به فعلى العين والرأس وسمعًا وطاعة لربنا ولنبينا صلى الله عليه وسلم، وإن لم يأت بدليل على هذا التحريم فقوله رَدٌّ عليه، وقد دل على هذا الضابط الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى"وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه"وهذه الآنية من جملة ما في الأرض لأنها كلمة (ما) بمعنى الذي فهي اسم موصول وقد تقرر في الأصول أن الأسماء الموصولة من صيغ العموم فيدخل تحتها كل ما في الأرض ومن ذلك الآنية، ومعنى تسخيرها لنا أي أنها وجدت لنا لننتفع بها، ولا يمكن الانتفاع بها وهي محرمة لأن مقتضى التسخير أن تكون حلالًا مباحة فدل ذلك على أن الأصل في الآنية عم، فيدخل تحت هذا العموم جميع أنواع الزينة من المأكولات والمفروشات والملبوسات والأواني وغيرها، كل ذلك من زينة الله والله تعالى أنكر على من حرم شيئًا منها مما يدل على أنها مباحة، وهذا هو المطلوب والأواني من زينة الله التي أخرج لعباده، فمن حرم شيئًا منها بلا دليل فيقال له"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده"إلا إذا جاء بالدليل فإن جاء به فيكون المحرم لهذه الآنية بعينها هو الذي أخرجها لعباده جل وعلا، والتحليل والتحريم ملك له لا حول لنا. فيه ولا قوة وإنما نحن عبيد مربوبون فقراء لا يسعنا إلا أن نقول سمعًا وطاعة لربنا طوعًا وحبًا وكرامة واختيارًا وعزة وشرفًا، فوالله إن الشرف في عبوديته، وإن العبد ليفخر بأنه عبده والفقير إليه والذليل الحقير إليه، الذي لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا، فالأمر أمره والحكم حكمه وكلنا تحت سلطانه