وقد عرفت سابقًا المراد بقولنا (توقيفية) أي أن مبناها على التوقيف فلا ينبغي إثبات شيء منها إلا إذا دل الدليل على ذلك، فأثبت ما أثبته الدليل الصحيح الصريح، فإن السلامة كل السلامة في ذلك، وبيان ذلك:- أن الأصل المتقرر عندنا أن كل عبادة انعقدت بالدليل الشرعي فإنه لا يجوز إبطالها إلا بالدليل الشرعي، إذ أنه لا يجوز حَلٌّ ما أبرم عقده بالدليل إلا بالدليل، ولا دخل للأهواء ولا للمذاهب ولا لأقوال الرجال في ذلك، وإنما المعتمد هو قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، فما عَدَّه الشارع موجبًا للغسل فهو الموجب، وما لا فلا، فدع عنك ما يدعيه البعض من أنه من موجبات الغسل فإذا نظرت إلى مستنده وجدته أوهى من خيط العنكبوت، إما دليل ضعيف أو قياس باطل أو إجماع مخروم، ناهيك عن الأحاديث الباطلة والكلام الساقط، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم والزم جادة الحق، تنجو مع الناجين وإن جادة الحق في هذا الباب هو هذا الضابط وهو الموافق للدليل النقلي والعقلي، فأما الدليل النقلي فإنه قد تقرر في النصوص أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف فلا يشرع منها غلا ما ثبت به الدليل الشرعي الصحيح من القرآن أو من السنة وهذا الأصل عام في تشريع أصل العبادة أو تشريع ما يبطلها فكما أننا لا نشرع من العبادات إلا بدليل كذلك لا يجوز لنا إبطال شيء منها قد انعقد بالدليل إلا بدليل فالتشريع الابتدائي توقيفي وإبطال شيء من التشريع توقيفي فكما أننا نطلب الدليل ممن شرع شيئًا وادعى أنه عبادة فكذلك أيضًا نطلب الدليل ممن ادعى أن هذا القول أو الفعل مبطل لهذه العبادة فإن جاء بالدليل قبلناه وإلا فالبقاء على الأصل الانعقادي هو المتعين ويكفيك في ذلك قول الله عز وجل وعلا"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"فالله جل وعلا أنكر على من اتخذ له أحدًا يأخذ منه تشريعه بشيء لم يأذن به الله وما ذلك إلا لأن التشريع حق