وهذا الضابط يفيدك معرفة الفرق بين الأشياء التي أمر بغسلها لنجاستها، أو لقيام الحدث بها، وما يغسل من باب الاستقذار أو لإزالة صورته ونحو ذلك لكن لا لنجاسته أو لقيام الحدث به، وبيان ذلك أن يقال إن الشريعة الإسلامية زادها الله شرفًا ورفعة إذا أمرت بغسل عين من الأعيان فإننا نستفيد من هذا الأمر وجوب غسل هذه العين لأنه قد تقرر في القواعد:- أن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب ونعلم أيضًا أنها لم تأمر بغسلها إلا لحكمة ومصلحة وهذه المصلحة إما أن تكون لقيام حدث في هذه العين أو لقيام نجاستها ومثال الأول الأمر بغسل أعضاء الوضوء فإن الشريعة أمرت بغسل هذه الأعضاء والعلة في ذلك قيام الحدث بها وغسلها من باب الوجوب ومنها أيضًا أمر الجنب أن يغسل بدنه وذلك لقيام مانع في بدنه وهو حدث الجنابة ولا يتصور قيام الحدث في غير ذلك والمراد بالحدث الوصف القائم بالبدن المانع من صحة الصلاة فإن كان أصغر فيجب فيه الوضوء وإن كان أكبر فيجب فيه الغسل والمقصود أن الشارع لما أمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء وبتعميم الماء في الغسل علمنا أن ذلك لقيام مانع في الأعضاء والبدن وهذا المانع هو الحدث إذ لا نجاسة عليه. ومثال الثاني وهو ما أمر الشارع بغسله لقيام النجاسة فكالأمر بغسل البول وذلك لقيام مانع فيها وهو النجاسة وأيضًا كدم الحيض فهو عين أمر الشارع بغسلها كما في حديث"تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم يصلي فيه متفق عليه فأمر الشارع بغسلها لقيام مانع فيها وهو النجاسة وهكذا فهذه الأعيان التي غسلها وأمر بغسلها يحكم عليها بوجود المانع فإن كان في وضوء أو غسل فالمانع الحدث وإن كان غيره من الأعيان فالمانع هو النجاسة وإلا فللتعبد. وأما الأعيان التي غسلها الشارع ولكن لم يأمر بغسلها فلا يحكم عليها النجاسة لمجرد الغسل لأن الفعل المجرد عن الأمر لا يستفاد منه الوجوب فيقتصر على الاستحباب فنقول إن غسلها مستحب ويمثل"