فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به, وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة, وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث, وإن حلف ليقضينه حقه غدا يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث
ـــــــ
النواة والفتيل ما في شقها, والنقير النقرة في ظهرها, ولم يرد ذلك بعينه بل نفي كل شيء, وقال الحطيئة:
ولا يظلمون الناس حبة خردل
يريد لا يظلمون الناس شيئا وإذا كان سائغا, فقد نوى بكلامه ما يحتمله فيحنث كما لو لفظه؛ ولأننا أجمعنا على صحة التأويل في اليمين لغير الظالم وهو إرادة ما الظاهر خلافه وهذا مثله, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما لكل امرئ ما نوى"1, فيدخل فيه ما اختلفنا فيه ولأن الشارع قد ينص على الحكم في صورة خاصة لمعنى فيثبت الحكم في كل ما وجد فيه المعنى ولا يقف على لفظه كتنصيصه على تحريم الربا في الأعيان الستة فثبت التحريم فيما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي.
مسألة:"فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به"كما ذكرنا"وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة"لأن مبنى الأيمان على النية لا على اللفظ ونيته قطع المنة فيحنث بكل ما فيه منة.
مسألة:"وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث"لذلك.
مسألة:"وإن حلف ليقضينه حقه غدا يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث"اعتبارا بنيته؛ لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرا؛ ولأننا قد بينا أن مبنى الأيمان على النية وهذا نوى بيمينه أن لا يجاوز الغد فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين [وما هيجها] فإن كانت تقتضي التعجيل فهو كما لو نواه وإن لم يكن له نية ولا سبب فظاهر كلام الخرقي أنه لا يبر إلا بقضائه في الغد خاصة وهكذا في سائر الأيمان, فلو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا لم يبر ولو حلف ليأكلن هذا الطعام في غد فأكله اليوم لم يبر وإن أكل بعضه اليوم وبعضه غدا لم يبر؛ لأن اليمين في الإثبات لا يبر فيها إلا بجميع المحلوف عليه فترك أكل بعضه إلى الغد كترك جميعه إلا أن ينوي بيمينه أن لا يجاوز ذلك الوقت.
ـــــــ
1 -سبق تخريجه.