فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 670

وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه وإن أتى حدا في الغزو لم يستوف حتى يخرج من دار الحرب

ـــــــ

على الإطلاق, وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا, ومن وجه آخر وهو أنه قال عليه السلام:"إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها", ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دماء كانت حلالا في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به بقوله:"فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم". وهذا ظاهر إذا ثبت هذا فإنه"لا يبايع ولا يشارى"ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفى حق الله عز وجل منه, وإنما كان كذلك لأنه إذا أطعم وأوى تمكن من الإقامة أبدا فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله عز وجل.

مسألة:"وإن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه"لا نعلم في ذلك خلافا, وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء وقال الله سبحانه: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} , فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم؛ ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم كما يحتاج إليه غيرهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدود الله في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها؛ ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض الحرم لتحريم دمه وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها.

مسألة:"وإن أتى حدا في الغزو لم يستوف منه حتى يخرج من دار الحرب"؛ لما روي عن بسر بن أرطاة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق بختية فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يقطع في الغزاة"لقطعتك وفي لفظ:"لا تقطع الأيدي في الغزاة". رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي1؛ ولأنه إجماع الصحابة وروى سعيد في سننه أن عمر كتب إلى الناس: لا تجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار, وعن أبي الدرداء مثل ذلك, وعن علقمة قال: كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا

ـــــــ

1 -رواه أبو داود في الحدود: حديث رقم 4408. والنسائي في قطع السارق: 16- باب القطع في السفر: حديث رقم1. والترمذي في الحدود: حديث رقم 1450. وقال: حديث غريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت