وقال الخطيب:
" « وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِي ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ » .سىء بهم: أي ساءه وآلمه نزولهم عنده،واحتماؤهم به.وضاق بهم ذرعا: أي أحسّ العجز عن حمايتهم،لأنه يتصدّى وحده لقومه جميعا .. وأصل الذرع من الذراع التي يعملها الإنسان في تناول الأشياء ..ثم استعملت استعمالا مجازيا في الدلالة على قدرة الإنسان أو عجزه،حسب طول ذراعه أو قصرها.والإحساس بالمسئولية الملقاة على لوط لحماية ضيوفه،هو الذي آلمه وأوجعه،وضيّق مسالك النجاة بهم في وجهه،فقال: « هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ » أي يوم قاس،شديد الوقع على النفس،لما سيطلع عليه فيه من أحداث مزلزلة،توقعه في هذا المأزق،وتفتح بينه وبين قومه مجالا فسيحا للصراع بين جبهتين غير متكافئتين!"
« وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي .. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » .ولقد وقع ما توقعه لوط .. وها هى ذى العاصفة تدور حول بيته،وتحطّم الأبواب .. فيقتحم القوم عليه الدار،وقد جاءوا سراعا من كل جهة،يتسابقون لإدراك هذا الصيد،قبل أن يفلت من أيديهم! « وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ » أي يسرعون إليه في خفّة وطيش.وانظر كيف تبلغ السفاهة بالقوم .. إنهم ليأتون الفاحشة في غير مبالاة،ولا ستر من حياء! يأتونها جهرة وفى صورة جماعية،دون أن يجد أحدهم حرجا أو استحياء! وهذا غاية التدلّى والإسفاف في عالم الإنسان،إلى درجة لا ينزل إليها كثير من عالم الحيوان .. حيث تأبى على بعض الحيوان طبيعته أن يتصل بأنثاه على مرأى من بنى جنسه! بله اتصاله بذكر!
الأمر الذي لم تعرفه الكائنات الحيّة،إلا في هذا الصنف الرّذل الخسيس من الناس! ـ وفى قوله تعالى: « وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ » عرض لسيرة هؤلاء القوم،وفضح لمخازيهم،وأن هذا الذي جاءوا إليه ليس ابن يومه،وإنما هو داء تعاطاه القوم من قبل،فكان طبيعة غلبت عليهم،حتى لقد صار عادة مألوفة عندهم،وأمرا مستقرا فيهم،ليس فيه ما يثير أي إحساس عندهم بالخزي أو الاستحياء ..وقد عبّر القرآن عن هذا المنكر الذي يتعاطونه