فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 160

والجواب ـ واللّه أعلم ـ هو أن الملائكة في هذه الآيات ـ قد ألقوا بالبشرى إلى لوط،حين التقوا به،ورأوا ما دخل عليه منهم من خوف وفزع،فقالوا له: « لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ » . . ثم جاءه قومه بعد ذلك،وكان ما كان منهم معه ومع الملائكة .. فكان من لوط كرب وضيق مما حلّ بالملائكة،وتشبث قومه بهم،ومحاولة الاعتداء عليهم،فكان حديث الملائكة له بقولهم: « إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ » توكيدا لما حدّثوه به من قبل،وأنهم إذا كانوا على تلك الصفة فلن ينالهم أحد بمكروه .. ثم كان من تمام ذلك أن أعادوا تذكيره بما حدثوه به من قبل،وهو أن يسرى بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد إلى هؤلاء القوم الذين خلفوهم وراءهم ليلاقوا مصيرهم. [1]

إننا نعلم علم اليقين أن الظواهر الكونية كلها تجري وفق ناموس اللّه الذي أودعه هذا الكون. ولكن كل ظاهرة وكل حدث في هذا الكون لا يقع بأية حتمية إنما يقع وفق قدر خاص به. بلا تعارض بين ثبات الناموس وجريان المشيئة بقدر خاص لكل حدث .. كذلك نحن نعلم علم اليقين أن اللّه سبحانه يجري في حالات معينة أقدارا معينة بأحداث معينة لوجهة معينة. وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي فقد يريد اللّه أن ينزل بهم ما يشاء،وقتما يشاء،فيكون ما يشاء،وفق ما يشاء .. وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين ..

وقرى لوط تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس. وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل،ويجد العبرة في مصارع الغابرين. وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» ..وهكذا صدق النذير،وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب اللّه الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد. [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (7 / 254)

(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت