فهم يرون آيات،على حين يرى غيرهم آية .. « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » وذلك فيما تحدّث به أخبار القوم الظالمين ..
وثانيا: أن المؤمنين،أو من في كيانهم استعداد للإيمان ـ هؤلاء،لا يحتاجون إلى كثير من الأدلة والبراهين،حتى يذعنوا للحق،ويهتدوا إلى الإيمان،وإنما تكفيهم الإشارة الدالّة،أو اللمحة البارقة،حتى يكونوا على طريق الإيمان .. « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » .. وذلك فيما تحدث به مخلّفات هؤلاء القوم الهالكين.
وثالثا: أن الإيمان أمره هيّن،ومراده قريب .. وأن القاصد إليه،الباحث عنه،لا يحتاج إلى معاناة نظر،أو كدّ ذهن،وكل ما يحتاج إليه في تلك الحال،هو أن يخلى نفسه من التشبث،والعناد،والمكابرة،وأن يلقى وجه الإيمان بقلب سليم،ورأى مستقيم .. عندئذ يرى أن الإيمان أقرب شىء إليه،وآلف حقيقة عنده .. إذ كان جاريا مع الفطرة الإنسانية،متجاوبا مع أشواقها وتطلعاتها.
هذا،وقد جاء النظم القرآنى لقصّة لوط هنا،مخالفا لما جاء عليه في مواضع أخرى .. ذلك أن الملائكة هنا أخبروه بهلاك القوم،وبما ينبغى أن يفعله هو وأهله حتى لا ينزل بهم ما ينزل بأهل القرية من دمار وهلاك ـ أخبروه بهذا قبل أن يعلم أهل القرية بهم،وقبل أن يجيئوا إلى لوط يريدون الفاحشة في هؤلاء الضيوف .. هكذا تحدث الآيات هنا
وفى مواضع أخرى جاء النظم القرآنى على غير هذا،كما يقول اللّه تعالى في سورة « هود » مثلا: « وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِي ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ » (الآيات: 77 ـ 81: هود) وترتيب الأحداث هنا غير ترتيبها في النظم السابق .. كما ترى ..فما جواب هذا ؟