عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَاعْرِفُوهُ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَنْزِعُ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بِلَّةٌ ، وَإِنَّهُ يَدُقُّ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيُفِيضُ الْمَالَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الإِسْلاَمِ ، وَيَهْلِكُ اللَّهُ الْمَسِيحَ الضَّالَّ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ، وَيُلْقِي اللَّهُ الأَمَنَةَ حَتَّى يَرْعَى الأَسَدُ مَعَ الإِبِلِ ، وَالنَّمِرُ مَعَ الْبَقَرِ ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ مَعَ الْحَيَّاتِ ، لاَ يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [1]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِى وَبَيْنَهُ نَبِىٌّ وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبْطٌ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِى زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الإِسْلاَمِ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِى زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ الْكَذَّابَ وَتَقَعُ الأَمَنَةُ فِى الأَرْض ِ حَتَّى تَرْتَعَ الإِبِلُ مَعَ الأَسَدِ جَمِيعًا وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ بِالحَيَّاتِ لاَ يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ » [2] .
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ ، وَيَقُولُونَ لَوْلاَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ » [3] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ ، وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ » [4] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ يَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلاَّ هَذِهِ اللَّبِنَةَ. فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ » . [5]
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - « مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ أَلاَّ وَضَعْتَ هَا هُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ » . فَقَالَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - « فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ » [6] .
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ ، الأَنْبِيَاءُ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ. قَالَ: فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ ، وَتُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ نُظَّارٌ ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ ، لاَ يَعِيبُونَ غَيْرَهَا ، فَكُنْتُ أَنَا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ ، خُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ. [7]
الباب الثاني
عِصمَة الرّسُل عليهم الصلاة والسلام
هل الرسل معصومون عن الخطأ والمعصية ، وهل هي عصمة عامّة شاملة ؟ هذا ما سنحاول بيانه في هذا الفصل .
المبحث الأول
العِصمة في التحمّل وفي التبليغ
اتفقت الأمة على أنَّ الرسل معصومون في تحمّل الرسالة [8] ، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئًا قد نُسخ ، وقد تكفل الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يقرئه فلا ينسى شيئًا مما أوحاه إليه ، إلا شيئًا أراد الله أن ينسيه إياه: { سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) } [ الأعلى: 6-7 ] ، وتكفل له بأن يجمعه في صدره: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) [ القيامة: 16-18 ]
وهم معصومون في التبليغ ، فالرسل لا يكتمون شيئًا ممّا أوحاه الله إليهم ، ذلك أن الكتمان خيانة ، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) } [ المائدة: 67 ] .
ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله ، فإن عقاب الله يحلّ بذلك الكاتم المغيّر (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ) [ الحاقة: 44-47 ] .
ومن العصمة ألاّ ينسوا شيئًا مما أوحاه الله إليهم ، وبذلك لا يضيع شيء من الوحي، وعدم النسيان في التبليغ داخل في قوله تعالى: ( سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى ) [ الأعلى: 6 ] وما يدلُّ على عصمته في التبليغ قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ) [ النجم: 3-4 ] .
عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من القتل:
عصم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من القتل حتى يبلغ رسالة ربه ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67 ) ) [ المائدة: 67 ] ، قال سفيان الثوري فيما نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية:"بلغ أنت رسالتي ، وأنا حافظك ، وناصرك ومؤيدك على أعدائك ، ومظفرك بهم ، فلا تخف ولا تحزن ، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك" [9]
وقد أورد ابن كثير في تفسيره هذه الآية الأحاديث التي تفيد أنّ الصحابة كانوا يحرسون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل نزول هذه الآية ، فلما نزلت ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحرس [10] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اجْمَعُوا لِى مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنَ الْيَهُودِ . فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنِّى سَائِلُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْهُ . فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَ بَا الْقَاسِمِ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أَبُوكُمْ . قَالُوا أَبُونَا فُلاَنٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ . فَقَالُوا صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ . فَقَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ . فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِى أَبِينَا . قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أَهْلُ النَّارِ . فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اخْسَئُوا فِيهَا ، وَاللهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ . قَالُوا نَعَمْ . فَقَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِى هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا . فَقَالُوا نَعَمْ . فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ . فَقَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ."رواه البخاري [11] ."
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِىءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ. فَقَالَ « مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ » . أَوْ قَالَ « عَلَىَّ » . قَالَ فَقَالُوا أَلاَ نَقْتُلُهَا قَالَ « لاَ » . فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِى لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [12]
فقد عصم الله رسوله أن يقتله السمِّ ، وأكل معه بعض أصحابه فماتوا كما أفادته بعض الأحاديث التي روت الواقعة .
عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان:
وعصم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان ، وقد أعان الله رسوله على قرينه الشيطان فأسلم ، فلا يأمره إلا بخير ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ » . قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ » [13] .
وعن عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا. قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ « مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ » . فَقُلْتُ وَمَا لِى لاَ يَغَارُ مِثْلِى عَلَى مِثْلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ » . قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَعِىَ شَيْطَانٌ قَالَ « نَعَمْ » . قُلْتُ وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ قَالَ « نَعَمْ » . قُلْتُ وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « نَعَمْ وَلَكِنْ رَبِّى أَعَانَنِى عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ » [14] .
ــــــــــــ
المبحث الثاني
عدم العصمة من الأعراض البشريّة كالخوف والنسيان
الأعراض البشرية كالخوف والغضب والنسيان تقع من الرسل والأنبياء ، وهي لا تنافي عصمتهم والأمثلة على ذلك في الكتاب والسنَّة كثيرة ، فمن ذلك:
1-خوف إبراهيم عليه السلام من ضيوفه:
أوجس إبراهيم عليه السلام في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم ، ولم يكن يعلم أنّهم ملائكة تشكلوا في صور البشر ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [ هود: 70 ] .
2-عدم صبر موسى عليه السلام على تصرفات العبد الصالح:
وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له ، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكرًا ، ولكنه لم يتمالك نفسه ، إذ رأى تصرفات غريبة ، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه [15] ، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: ( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ) [ الكهف: 75 ] . وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: ( ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) [ الكهف: 82 ] .
3-تصرفات موسى عليه السلام عندما رأى قومه يعبدون العجل:
وغضب موسى غضبًا شديدًا ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، وألقى الألواح وفي نسختها هدى - عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه ، فوجدهم يعبدون العجل ، ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [ الأعراف: 150 ]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنَّ قَوْمَكَ صَنَعُوا كَذَا وَكَذَا ، فَلَمَّا يُبَالِ ، فَلَمَّا عَايَنَ أَلْقَى الأَلْوَاحَ. [16]
4-نسيان آدم وجحوده:
ومن ذلك نسيان آدم عليه السلام وجحوده ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَىْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ أَىْ رَبِّ مَنْ هَؤُلاَءِ قَالَ هَؤُلاَءِ ذُرِّيَّتُكَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ أَىْ رَبِّ مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ. فَقَالَ رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ قَالَ سِتِّينَ سَنَةً قَالَ أَىْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِى أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِى أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ قَالَ فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنَسِىَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ » [17] ..
5-نبي يحرق قرية النمل:
ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فعاتبه الله على ذلك فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « نَزَلَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً » [18] .
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « نَزَلَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِى النَّارِ - قَالَ - فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً » . [19]
6-نسيان نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصلاته الظهر ركعتين:
ومن ذلك نسيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غير البلاغ ، وفي غير أمور التشريع ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعَشِىِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا ، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلاَةُ . وَفِى الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ، وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ فِى يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ قَالَ « لَمْ أَنْسَ ، وَلَمْ تُقْصَرْ » . فَقَالَ « أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ » . فَقَالُوا نَعَمْ . فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ . فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ [20]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعَشِىِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَكْثَرُ ظَنِّى الْعَصْرَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رضى الله عنهما - فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ فَقَالَ « لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ » . قَالَ بَلَى قَدْ نَسِيتَ . فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ . [21]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ - وَأَظُنُّ أَنَّهَا الظُّهْرُ - رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهَا ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ ، وَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاَةُ ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ إِمَّا قَصِيرُ الْيَدَيْنِ - وَإِمَّا طَوِيلُهُمَا - يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللهِ ، أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: لَمْ تُقْصَرِ الصَّلاَةُ وَلَمْ أَنَسَ ، فَقَالَ: بَلْ نَسِيتَ ، فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
قَالَ: وَنُبِّئْتُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [22]
(1) - صحيح ابن حبان - (ج 15 / ص 225) (6814) صحيح
(2) - مسند أحمد (9882) صحيح
المربوع: بين الطويل والقصير -السبط: مسترسل الشعر -العلات: أولاد العلات الإخوة لأب من أمهات شتى
(3) - صحيح البخارى (3534 )
(4) - صحيح البخارى (3535 )
(5) - صحيح مسلم (6099 )
(6) - صحيح مسلم (6100)
(7) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 316) (6406) صحيح
(8) - نقل الإجماع على العصمة في هذا أكثر من واحد انظر: مجموع الفتاوى 10/291 ، ولوامع الأنوار البهية: (2/304) .
(9) - تفسير ابن كثير: 3/1205 .
(10) - المصدر السابق: 3/1206 .
(11) - صحيح البخارى (3169)
(12) - سنن أبى داود (4510 ) صحيح -اللهوات: جمع اللهاة وهى اللحمة المعلقة في أصل الحنك
(13) - صحيح مسلم (7286 )
(14) - صحيح مسلم (7288 )
(15) - كانت المرة الأولى من موسى نسيانًا ، أمّا الثانية والثالثة فكان متعمدًا .
(16) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 96) (6213) صحيح
(17) - سنن الترمذى (3356 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. -النسمة: النفس والروح -الوبيص: البريق
(18) - صحيح البخارى (3319 ) ومسلم (5987)
(19) - صحيح مسلم (5988 )
(20) - صحيح البخارى (482 ) ومسلم (1316 )
السرعان: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشىء ويقبلون عليه بسرعة
(21) - صحيح البخارى (1229 ) -السرعان: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشىء ويقبلون عليه بسرعة
(22) - صحيح ابن حبان - (ج 6 / ص 396) (2675) صحيح