فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 139

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) [المائدة/41]

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَالتِي بَعْدَهَا فِي المُنَافِقِينَ ، الذِينَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ، وَفِي أعْدَاءِ الإِسْلامِ مِنَ اليَهُودِ ، الذِينَ كَانُوا كَثِيرِي الاسْتِمَاعِ إلى كَلامِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالإِخْبَارِ عَنْهُ ، لأجْلِ الكَذِبِ عَلَيهِ بِالتَّحْرِيفِ وَاسْتِنْبَاطِ الشُّبُهَاتِ ، فَهُمْ جَوَاسِيسُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لأعْدَائِهِمْ ، مَهَمَّتُهُمْ إبْلاغُ رُؤُوسِ الكُفْرِ أَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ ، كُلَّ مَا يَقِفُونَ عَلَيهِ لِيَكُونَ مَا يَفْتَرُونَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمِينَ مِنْ كَذِبٍ مَقْبُولًا ، لأنَّهُمْ يَرْوُونَ مَا يُقَالُ ، وَيُحَرِّفُونَ فِيهِ ، وَكَانَ هَؤُلاءِ يَأتُونَ إلى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَسْتَمِعُوا مِنْهُ ، ثُمَّ يَنْقُلُونَ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْهُ إلى الرُّؤسَاءِ ذَوِي الكّيْدِ ، الذِينَ لَمْ يَأْتُوا إلَى النَّبِيِّ لِيَسْتَمِعُوا مِنْهُ بِآذَانِهِمْ ، إمّا كِبْرًا وَإِمَّا تَمَرُّدًا .

وَيَقُومُ الرُّؤسَاءُ الرُّوحِيُّونَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْرِيفِ كَلامِ التَّورَاةِ مِنْ بَعْدِ أنْ وَضَعَهُ اللهُ فِي مَوَاضِعِهِ ، وَأَحْكَمَهُ ، إمَّا تَحْريفًا لَفْظِيًَا ، بِإِبْدَالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ ، وَإِمّا بِإخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ ، وَإِما بِالزِّيَادَةِ فِيهِ ، أوْ بِالنَّقْصِ مِنْهُ ، وَإمَّا تَحْرِيفًا مَعْنَوسًّا ، بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنى يَخْتَلِفُ عَنِ المَعْنَى الذِي قَصَدَهُ الشَّارِعُ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الحُكْمَ الذِي تُرِيدُونَ فَاقْبَلُوهُ ، وَإنْ قَضَى بِغَيْرِهِ فلا تَسْتَمِعُوا إليهِ .

( وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي يَهُودَيَّين زَنَيا بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى المَدِينَةِ بِقَلِيلٍ ، وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ تَخَلَّوْا عَنْ تَنْفِيذِ مَا شَرَّعَهُ اللهُ لَهُمْ فِي التَّورَاةِ مِنْ رَجْمِ الزُّنَاةِ المُحْصِنِينَ ، فَحَرَّفُوا حُكْمَ اللهِ ، وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى جَلْدِ الزَّانِي مِئَةَ جَلْدَةٍ مَعَ صَبْغِ الوَجْهِ بِالسَّوَادِ( وَيُسَمُّونَهُ التَّحْمِيمَ ) . فَلَمَّا وَقَعَتْ حَادِثَةُ الزِّنَى ، قَالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ تَعَالُوا نَتَحَاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ فَإنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ ، وَصَبْغِ الوَجْهُ بِالسَّوَادِ ، فَخُذُوا ذلِكَ عَنْهُ ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ ، وَإنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلاَ تَتَّبِعُوهُ . فَلَمَّا جَاؤُوا إلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - سَألَهُمْ عَمَّا فِي كِتَابِهِمْ فِي حُكْمِ الزُّنَاةِ ، فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ . فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَّمٍ - وَكَانَ حَبْرًا مِنْ أحْبَارِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمَ - كَذَيْتُمْ إنَّ فِيهِ الرَّجْمَ ) .

وَمَنْ أَرَادَ اللهُ أنْ يَخْتَبِرَهُ فِي دِينِهِ فَيُظْهِرَ الاخْتِبَارُ كُفْرَهُ وَضَلاَلَهُ ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ يَِا مُحَمَّدُ مِنَ اللهِ شَيْئًا ، لأنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهْرَ قَلْبَهُ ، وَلاَ أنْ يَهْدِيَهُ؛ وَلِهَذا الضَّالِّ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . فَلا تَحْزَنْ يَِا مُحَمَّدُ بَعْدَ هَذَا عَلَى مُسَارَعَتِهِمْ فِي الكُفْرِ ، وَلاَ تَطْمَعُ فِي هِدَايَتِهِمْ إلى الإِيمَانِ ، فَإِنَّكَ لاَ تَمْلِكُ لأَحَدٍ نَفْعًا ، وَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلاَغُ .

هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة؛ حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينة - أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظة إن لم يكن قبل ذلك ، أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع ، وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها - ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه؛ وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحية إلى الجحر! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر؛ ولو قال المنافقون بأفواههم: آمنا . . وكان فعلهم هذا يحزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويؤذيه . .

والله - سبحانه - يعزي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويواسيه؛ ويهون عليه فعال القوم ، ويكشف للجماعة المسلمة حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء؛ ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين؛ بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من الذين قالوا: آمنا ، بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ومن الذين هادوا . . سماعون للكذب ، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك . يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا . . . }

روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقة . . وهي من جرائم الحدود في التوراة؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر . ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع ، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير ( كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان! ) . . فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - تآمروا على أن يستفتوه فيها .. فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيرية المخففة عملوا بها ، وكانت هذه حجة لهم عند الله . . فقد أفتاهم بها رسول! . . وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه . . فدسوا بعضهم يستفتيه . . ومن هنا حكاية قولهم: { إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا } . .

وهكذا بلغ منهم العبث ، وبلغ منهم الاستهتار ، وبلغ منهم الالتواء أيضًا في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المبلغ . . وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد ، فتقسو قلوبهم؛ وتبرد فيها حرارة العقيدة ، وتنطفئ شعلتها؛ ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل؛ ويبحث له عن « الفتاوى » لعلها تجد مخرجًا وحيلة؛ أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون: { من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ! أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين؟ أليسوا يتمسحون بالدين أحيانًا لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه . . { يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه؛ وإن لم تؤتوه فاحذروا } ! إنه الحال نفسه . ولعله لهذا كان الله - سبحانه - يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل ، لتحذر منها أجيال « المسلمين » وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق .

والله - سبحانه - يقول لرسوله في شأن هؤلاء المسارعين بالكفر ، وفي شأن هؤلاء المتآمرين المبيتين لهذه الألاعيب: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . فهم يسلكون سبيل الفتنة ، وهم واقعون فيها ، وليس لك من الأمر شيء ، وما أنت بمستطيع أن تدفع عنهم الفتنة وقد سلكوا طريقها ولجوا فيها: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا } . .

وهؤلاء دنست قلوبهم ، فلم يرد الله أن يطهرها ، وأصحابها يلجون في الدنس: { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } . .وسيجزيهم بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة: { لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم } . .فلا عليك منهم ، ولا يحزنك كفرهم ، ولا تحفل بأمرهم . فهو أمر مقضي فيه . .

ثم يمضي في بيان حال القوم ، وما انتهوا إليه من فساد في الخلق والسلوك ، قبل أن يبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يتعامل معهم إذا جاءوا إليه متحاكمين:

{ سماعون للكذب ، أكالون للسحت . فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا . وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، إن الله يحب المقسطين } . .

كرر أنهم سماعون للكذب . مما يشي بأن هذه أصبحت خصلة لهم . . تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل ، وتنقبض لسماع الحق والصدق . . وهذه طبيعة القلوب حين تفسد ، وعادة الأرواح حين تنطمس .. ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة ، وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات . . وما أروج الباطل في هذه الآونة وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة!

وهؤلاء: سماعون للكذب . أكالون للسحت . . والسحت كل مال حرام . . والربا والرشوة وثمن الكلمة والفتوى! في مقدمة ما كانوا يأكلون ، وفي مقدمة ما تأكله المجتمعات التي تنحرف عن منهج الله في كل زمان! وسمي الحرام سحتًا لأنه يقطع البركة ويمحقها . وما أشد أنقطاع البركة وزوالها من المجتمعات المنحرفة . كما نرى ذلك بأعيننا في كل مجتمع شارد عن منهج الله وشريعة الله .

ويجعل الله الأمر للرسول بالخيار في أمرهم إذا جاءوه يطلبون حكمه - فإن شاء أعرض عنهم - ولن يضروه شيئًا - وإن شاء حكم بينهم . فإذا اختار أن يحكم حكم بينهم بالقسط ، غير متأثر بأهوائهم ، وغير متأثر كذلك بمسارعتهم في الكفر ومؤامراتهم ومناوراتهم . .

{ إن الله يحب المقسطين } . .والرسول - صلى الله عليه وسلم - والحاكم المسلم ، والقاضي المسلم ، إنما يتعامل مع الله في هذا الشأن؛ وإنما يقوم بالقسط لله . لأن الله يحب المقسطين . فإذا ظلم الناس وإذا خانوا ، وإذا انحرفوا ، فالعدل فوق التأثر بكل ما يصدر منهم . لأنه ليس عدلًا لهم؛ وإنما هو لله . . وهذا هو الضمان الأكيد في شرع الإسلام وقضاء الإسلام ، في كل مكان وفي كل زمان .

وهذا التخيير في أمر هؤلاء اليهود يدل على نزول هذا الحكم في وقت مبكر . إذ أنه بعد ذلك أصبح الحكم والتقاضي لشريعة الإسلام حتميًا . فدار الإسلام لا تطبق فيها إلا شريعة الله . وأهلها جميعًا ملزمون بالتحاكم إلى هذه الشريعة . مع اعتبار المبدأ الإسلامي الخاص بأهل الكتاب في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ وهو ألا يجبروا إلا على ما هو وارد في شريعتهم من الأحكام؛ وعلى ما يختص بالنظام العام . فيباح لهم ما هو مباح في شرائعهم ، كامتلاك الخنزير وأكله ، وتملك الخمر وشربه دون بيعه للمسلم . ويحرم عليهم التعامل الربوي لأنه محرم عندهم . وتوقع عليهم حدود الزنا والسرقة لأنها واردة في كتابهم وهكذا . كما توقع عليهم عقوبات الخروج على النظام العام والإفساد في الأرض كالمسلمين سواء ، لأن هذا ضروري لأمن دار الإسلام وأهلها جميعًا: مسلمين وغير مسلمين . فلا يتسامح فيها مع أحد من أهل دار الإسلام . .

وفي تلك الفترة التي كان الحكم فيها على التخيير ، كانوا يأتون ببعض قضاياهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ مثال ذلك ما رواه مالك ، عن نافع ، عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: « إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ « فقالوا: نفضحهم ويجلدون . قال عبدالله بن سلام: كذبتم . إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها . فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها . فقال عبدالله بن سلام: ارفع يدك . فرفع يده فإذا آية الرجم . فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما . فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة » . ( أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري )

ومثال ذلك ما رواه الإمام أحمد - بإسناده - عن ابن عباس قال: « أنزلها الله في الطائفتين من اليهود ، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق . فكانوا على ذلك حتى قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وَسق فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا ، وفرقًا منكم . فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم! فكادت الحرب تهيج بينهما . ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكمًا بينهم . ثم ذكرت العزيزة ، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم! فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه . . إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه! فدسوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر الله رسوله ص بأمرهم كله وما أرادوا . فأنزل الله تعالى: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ، إلى قوله: { الفاسقون } . . ففيهم والله أنزل ، وإياهم عنى الله عز وجل . . ( أخرجه أبو داود من حديث أبى الزناد عن أبيه ) . . وفي رواية لابن جرير عين فيها » العزيزة « وهي بنو النضير » والذليلة « وهي بنو قريظة . . مما يدل - كما قلنا - على أن هذه الآيات نزلت مبكرة قبل إجلائهم والتنكيل بهم . .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت