فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 139

قال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) } [الفتح/8، 10]

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحمَّدُ شَاهِدًا عَلَى الخَلْقِ فِيما أَجَابُوكَ بِه عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ للإِيمَانِ باللهِ ، فَتُبَشِّر المُؤْمِنينَ الذِينَ استَجَابُوا للهِ وَلِرَسُولِهِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ في الآخِرَةِ ، والثَّوابَ الحَسَنَ ، وَتُنْذِرَالمُكَذِّبينَ المُعْرِضِينَ عَمَّا دَعَوْتَهُمْ إِليهِ ، بِعَذابٍ أليمٍ في نَارِ جَهَنَّمَ .

فآمِنُوا يَا أَيُّها النَّاسُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وانْصُرُوا دِينَه وَعَظَّمُوهُ ، وَنَزِهُوهُ عَمَّا لا يَليِقُ بِجَلاَلِهِ في الغُدَوِّ والعَشِيِّ .

حِينَما وَصَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلى الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا ( وَالحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ عَلَى مَسِيرَةٍ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ ) ، مَعَ ألفٍ وَأَرْبَعِمِئَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، دَعَا خُراشَ بْنَ أُميَّةَ الخزَاعِي فَبَعَثَهُ إِلى قُرَيشٍ ، بِمَكَّةَ لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لأَجْلِهِ ، فَعَقَرَتْ قُرَيشٌ الجَمَلَ ، وَأَرَادُوا قَتْلَ خُراشٍ فَمَنَعَتْهُ الأَحَابِيشُ ، فَخَلُّوا سَبِيلَه ، فَعَادَ إِلى رَسُولِ اللهِ ، وَأَخْبَرَه بِمَا جَرَى . وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُرْسِلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ، فاعْتَذَرَ بَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَقَارِبُ في مَكَّةَ يَمْنَعُونَهُ ، وَدَلَّه عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَاسْتَدْعَاهُ إِليهِ وَأَرْسَلَهُ إِلى أَبي سُفْيَانَ وأَشْرافِ قُرَيشٍ ، يُخْبِرْهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَأْتِ لِحَربٍ ، وَإِنما جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيتِ ، مُعْتَمِرًا ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بَنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ ، حِينَ دَخَلَ عُثْمانُ مَكَّةَ ، فَجَعَلَهُ في جِوَارِه حَتَّى فَرَغَ مِنْ إِبلاغِ رِسَالَتِهِ ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيشًا احْتَبَسَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَهُمْ فشَاعَ بَينَ المٌسْلِمينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ ، فَقَالَ الرَّسُولُ: لاَ نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ .

وَدَعَا النَّاسَ إِلى البَيْعَةِ فَكَانت بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَحْتَ شَجرةٍ كَانَتْ هُنَاكَ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى أَلاَّ يَفِرُّوا أَبدًا . وَلَم يَتَخَلَّفْ عَنِ البَيْعَةِ إِلا الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ مُنَافِقٌ مِنَ الأنْصَارِ . وَعَلِمَتْ قُرَيشٌ بِالبَيْعَةِ فَخَافَتْ وَأَرْسَلَتِ الرُّسُلَ إِلى النَّبِيِّ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ وَالمُوادَعَةَ ، فَتَمَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ هذا العَامَ ، وَلاَ يَدْخُلُوا مَكَّةَ ، وَأَنْ يَحُجَّ في العَامِ القَادمِ ، وَعَلى أَنْ يَقُومَ صُلْحٌ بَينَ الرَّسُولِ وَقُريشٍ مُدَّتُهُ عَشْرُ سَنَواتٍ .

وَفِي هذهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالى عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ التي تَمَّتْ تَحْتَ الشَّجَرةِ ، فَيقُولُ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ في الحُديبيَةِ مِنْ أَصْحابكَ عَلَى أَلاَّ يَفرُّوا مِنَ المَعْرَكَةِ ، وَلا يُوَلُّوا الأَدْبَارَ ، إِنَّما يُبَايُعونَ اللهَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ ، واللهُ حَاضِرٌ مَعَهُم ، وَهُمْ يَضَعُونَ أَيديَهم في يَدِكَ مُبَايِعِينَ ، يَسْمَعُ أَقْوالَهُم ، وَيَرَى مَكانَهُمْ ، وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ ، فَهُوَ تَعَالى المُبَايُع بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ ، وَيَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ .

وفي الحديث:"مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ بَايعَ".فَمَنْ نَقَضَ البَيْعَةَ التِي عَقَدَهَا مَعَ النَّبِيِّ فإِنَّ ذَلِكَ إِنَّما يَعُودُ عَلَيهِ ، وَلاَ يَضرُّ بالنَّكْثِ وَالإِخْلاَفِ إِلا نَفْسَهُ .أَمَّا مَنْ أوفى بَعَهدِ البَيْعَةِ فإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ الأَجْرَ والمَثُوبَة في الآخِرَةِ وَيُدْخِلُه الجَنَّةَ لِيبْقَى فِيها خَالِدًا .

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد على هذه البشرية التى أرسل إليها ، يشهد أنه بلغها ما أمر به ، وأنها استقبلته بما استقبلته ، وأنه كان منها المؤمنون ، ومنها الكافرون ، ومنها المنافقون . وكان منها المصلحون ومنها المفسدون . فيؤدي الشهادة كما أدى الرسالة . وهو مبشر بالخير والمغفرة والرضى وحسن الجزاء للمؤمنين الطائعين ، ونذير بسوء المنقلب والغضب . واللعنة والعقاب للكافرين والمنافقين والعصاة والمفسدين . .

هذه وظيفة الرسول . ثم يلتفت بالخطاب إلى المؤمنين ، يكشف لهم عن الغاية المرجوة لهم من الرسالة . إنها الإيمان بالله ورسوله ، ثم النهوض بتكاليف الإيمان ، فينصرون الله بنصرة منهجه وشريعته ويوقرونه في نفوسهم بالشعور بجلاله؛ وينزهونه بالتسبيح والتحميد طرفي النهار في البكور والأصيل ، وهي كناية عن اليوم كله ، لأن طرفي النهار يضمان ما بينهما من آونة . والغرض هو اتصال القلب بالله في كل آن . فهذه هي ثمرة الإيمان المرجوة للمؤمنين من إرسال الرسول شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا .

وقد جاء - صلى الله عليه وسلم - ليصلهم بالله ، ويعقد بينهم وبينه بيعة ماضية لا تنقطع بغيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم . فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعًا ، فإنما يبايع عن الله: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله . يد الله فوق أيديهم } . . وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول الله - صل الله عليه وسلم - والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده ، أن يد الله فوق أيديهم .

فالله حاضر البيعة . والله صاحبها . والله آخذها . ويده فوق أيدي المتبايعين . . ومن؟ الله! يا للهول! ويا للروعة! ويا للجلال!

وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة - مهما غاب شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالله حاضر لا يغيب . والله آخذ في هذه البيعة ومعط ، وهو عليها رقيب .

{ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } . .فهو الخاسر في كل جانب . هو الخاسر في الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى . وما من بيعة بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله ، والله هو الغني عن العالمين . وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع الله فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذى يكرهه ويمقته ، فالله يحب الوفاء ويحب الأوفياء .

{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيما } . .هكذا على إطلاقه: { أجرًا عظيمًا } . . لا يفصله ولا يحدده . فهو الأجر الذي يقول عنه الله إنه عظيم

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت