قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) } [الأحزاب/45-47]
يَا أَيُّها الرَّسُولُ إِن اللهَ تَعَالى بَعَثَكَ شَاهِدًا عَلَى مَنْ أُرْسِلْتَ إِليهِمِ ، تُرَاقِبُ أحْوَالَهُم ، وَتَرَى أَعْمَالَهُمْ ، وَتَشْهَدُ عَلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأَرْسَلَكَ مُبَشِّرًا لَهُمْ بِالجَنَّةِ إِنْ صَدَّقُوكَ ، وَعَمِلُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَمُنْذِرًا لَهُمْ بِعَذَابِ النَّارِ إِنْ هُمْ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ ، وَنَهَيْتَهُمْ عَنْهُ .
وَإِنَّهُ تَعَالَى بَعَثَكَ دَاعِيًا الخَلْقَ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ والعَلَنِ ، وَجَعَلَ أَمْرَكَ ظَاهِرًا كالشَّمْسِ في إِشْرَاقِها وَإِضَاءَتِها لاَ يَجْحَدُها إِلاَّ مَكَابِرٌ .
( أَوْ إِن المَعْنى هُوَ: وَجَعَلْنَاكَ سَرَاجًا مُنيرًا لِيَسْتَضِيءَ بِكَ الضَّالُّونَ ، وَيَتقْتَبِسَ مِنْ نُورِكَ المُهْتَدُونَ ) .
وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ فَضَلًا كَبِيرًا مِنَ اللهِ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ ، وَسَيُلْقِي اللهُ عَلَى عَاتِقِهِمْ مَهَمَّةَ نَشْرِ الإِيمَانِ فِي الأَرضِ ، وَإِخْراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ .
فوظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم أن يكون { شاهدًا } عليهم؛ فليعلموا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور ، ولا تبدل ، ولا تغير . وأن يكون { مبشرًا } لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران ، ومن فضل وتكريم . وأن يكون { نذيرًا } للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال ، فلا يؤخذوا على غرة ، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار . { وداعيًا إلى الله } . . لا إلى دنيا ، ولا إلى مجد ، ولا إلى عزة قومية ، ولا إلى عصبية جاهلية ، ولا إلى مغنم ، ولا إلى سلطان أو جاه . ولكن داعيًا إلى الله . في طريق واحد يصل إلى الله { بإذنه } . . فما هو بمبتدع ، ولا بمتطوع ، ولا بقائل من عنده شيئًا . إنما هو إذن الله له وأمره لا يتعداه . { وسراجًا منيرًا } . . يجلو الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نورًا هادئًا هاديًا كالسراج المنير في الظلمات .وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من النور . جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود ، ولعلاقة الوجود بالخالق ، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه ، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله ، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير ، والهدف والغاية ، والطريق والوسيلة .في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض . وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب !
ويكرر ويفصل في وظيفة الرسول مسألة تبشير المؤمنين: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) . . بعدما أجملها في قوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) . . زيادة في بيان فضل الله ومنته على المؤمنين , الذين يشرع لهم على يدي هذا النبي , ما يؤول بهم إلى البشرى والفضل الكبير
ـــــــــــــ